عيسى الشعيبي

يدا "حماس" أوكتا وفوها نفخ

تم نشره في الثلاثاء 3 آذار / مارس 2015. 12:05 صباحاً

لعل من المفاجئ حقاً أن تعرب حركة حماس عن تفاجئها بحكم محكمة مصرية قضى بتصنيف الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين الدولية كمنظمة إرهابية. وفي المقابل، لم يكن مفاجئا أن تفتح "حماس" نيران مدفعيتها الكلامية الثقيلة على مصر، فور صدور هذا الحكم، وأن تقول في حق البلد، الذي يمثل رئة التنفس الوحيدة لأهل قطاع غزة، أقوالا أبلغ مما قاله الإمام مالك في الخمر.
فبعد مرور نحو شهر على صدور قرار مماثل بحق الجناح العسكري لحركة حماس، وانقضاء نحو عام على حكم قضائي تم فيه حظر هذه الحركة ومصادرة ممتلكاتها، كان من المرجح صدور هذا الحكم الذي جاء في سياق سيل من الاتهامات والمآخذ والشكاوى المريرة من تدخلات "حماس" في الحياة السياسية المصرية، ومن شبهة تورطها في الحرب الضاربة ضد الجماعات الإرهابية.
ومع أنه يمكن التحفظ على مساندة "حماس" للمنظمات الإرهابية في سيناء، إلا أن أحداً لا يمكنه دحض مناهضة الحركة القائمة بسلطة الأمر الواقع في القطاع المحاصر، للنظام السياسي المصري الراهن، الذي أطاح حكم المرشد، ولاحقه من دون هوادة، فقوض بذلك أحلام الحركة الإسلامية في غزة بإقامة إمارة، وأوقع بالفرع الفلسطيني خسارة لا تقل فداحة عن تلك التي حلت بالجماعة الأم.
فقد تبنت "حماس" نص الخطاب السياسي والإعلامي للجماعة التي لم تفق من صدمتها بعد؛ إذ اعتبرت الثورة المصرية الثانية مؤامرة شيطانية، ووصفت عبدالفتاح السيسي بأنه انقلابي، وأن نظامه حكم عسكري غاشم، وظلت تتصرف من موقع قناعة يقينية بأن محمد مرسي عائد إلى سدة الحكم لا محالة، شأنها في ذلك شأن الجماعة المطاردة والمحظورة.
بكلام آخر، كانت حركة حماس قد وضعت نفسها على طريق الصدام مع الدولة المصرية، غير ملتفتة إلى تكاليف هذه العداوة، ولا إلى المضاعفات المترتبة على ذلك بالنسبة لحياة نحو مليوني غزيّ، على قاعدة أن مصلحة الجماعة الأم تفوق كل مصلحة جزئية لفروع الشجرة، الأمر الذي يفسر لنا كل هذا الانجراف الأعمى وراء طلب استعداء مصر الممسكة بتلابيب غزة، إن لم نقل القابضة على كل شهقة وزفرة لسكانها.
إذن، لا محل للحديث عن مفاجأة، ولا عن صدمة؛ وإنما يصح السؤال عما إذا كانت "حماس" تترقب صدور مثل هذا الحكم القاسي، كي تجدد زخم حملة الكراهية ضد الدولة المصرية، وتستثمر أكثر فأكثر في مظلوميتها التاريخية، وتكبح كل حركة احتجاجية محتملة ضد قبضتها الحديدية، لعل ذلك يفتح باباً للخلاص من أزمة ذاتية طاحنة، ازدادت وطأتها شدة بعد مرور نحو نصف عام على حرب لم تكن مثمرة.
فعلى مدى الشهرين الماضيين، وفي ظل اشتداد حالة الحصار، وتعثر عملية إعادة الإعمار، وتفاقم أزمة الرواتب وغيرها، راحت "حماس" تحذر مما سمته "انفجار غزة"، من دون أن تقول لنا في وجه من سيحدث هذا الانفجار؛ هل سيكون ضد السلطة الوطنية التي لم يعد لها شيء تخسره في القطاع؟ أم ضد مصر التي أغلقت الأنفاق ووسعت المنطقة الحدودية الآمنة؟ أم ضد إسرائيل التي سفحت الدماء ودمرت البيوت والممتلكات، وتوعدت بالمزيد لدى خرق وقف إطلاق النار؟
وعليه، فإنه يمكن الاستنتاج أن "انفجار غزة" الذي أخذت تلوح به "حماس" كان يخص مصر، بدليل خروج حملة التحريض والتهويل ضد الحكم القضائي هذا عن حدود الخلاف السياسي، إلى مدى ينذر بافتعال صدام عسكري محدود، وتوظيف ما سيعتبر عدواناً مصرياً على غزة، في خدمة الغاية الكبرى الثاوية وراء انفجار غزة المخطط له، ألا وهو تسديد بعض الحساب المؤجل مع "الانقلابيين" في مصر.
يزداد هذا الاستنتاج وزناً، إذا ما علمنا أن "حماس" لا تعرف دروب المراجعة أو المواءمة، كما أنها لا تلتفت إلى الثمن إذا امتلكت القدرة على تحقيق الغاية، ولا  تعرف متى تتوقف حتى في حربها ضد إسرائيل. الأمر الذي يخشى معه أن تمضي وهي مفتوحة العيون إلى مواجهة عسكرية صغيرة مع مصر، لتأثيم نظام عبدالفتاح السيسي، وإنزاله منزلة بنيامين نتنياهو، وذلك على نحو ما تلهج به ألسنة ناطقيها المتصببين عرقاً في هذه الآونة، وهم يتحدثون عن "عدوان مصري مرتقب".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هذا (hussam)

    الثلاثاء 3 آذار / مارس 2015.
    ....
    كان أولى بالكاتب أن يكتب عن الاقتحامات للاقصى والمعاناة التي يعيشها أهل القدس وغزة الذين يموتون ألف مرة باليوم

    لا بأس فالدنيا تدور اليوم عليهم وغدا ...
  • »سؤال بريء (حسين)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2015.
    يا استاذ، لماذا كل من وقف أمام السياسة الغربية ؛نجده محاصرا و محاربَاً؟
    وكذلك مع "سنّة" العراق وسوريا، بل إن انضمامنا لإيران الدموية يشكل خياراً !
    بل وأذكر أنني اطلعت على تاريخ تأسيس الجامعة العربية، فوجدتها فكرة لم تكن عربية. وا عجبي