التعود.. نعمة أم نقمة؟

تم نشره في الأربعاء 4 آذار / مارس 2015. 01:03 صباحاً

تقول الكاتبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، إن التعوّد يلتهم الأشياء؛ يتكرر ما نراه، فنستجيب له بشكل تلقائي، وكأننا لا نراه. لا تستوقفنا التفاصيل المعتادة كما استوقفتنا في المرة الأولى؛ نمضي وتمضي، فتمضي بنا الحياة كأنها لا شيء.
ما يزال ذاك الصباح المتجمد محفورا في ذاكرتي، كما لو كان البارحة، رغم السنوات الطويلة التي تفصلنا عنه. فقد كان يومي الأول كطالب طب في مساق الطب الشرعي. وكان أول ما شهدناه تشريحا لجثة شاب عشريني، قضى لتوه في حادث دراجة. وما أزال أذكر ذاك الشاب الذي كان قريب عهد بحياة بدت واعدة.
لم نتعامل معه كجثة أو موضوع دراسة واستقصاء، بل استوقفتنا تفاصيله الإنسانية؛ بنطال الجينز، وقميص تناوب الأحمر والأزرق على تلوين مربعاته الصغيرة، وعلبة سجائر لم يمنح الوقت لإنهائها. كل هذه التفاصيل وأخرى غيرها، ما تزال مطبوعة في ذاكرتي. وسرح بي الخيال خلال التشريح إلى ما يمكن أن يكون قد فكر فيه هذا الدماغ في لحظاته الأخيرة؛ وإلى الأحلام التي وئدت، وهذا القلب الفتي الذي طالما نبض عشقا قبل أن تجف سواقيه. ثم صور لي مشهد الأم الثكلى التي كانت تنتظر عودته، أو ربما حبيبة تنتظر ورودا لن تصلها، تحديداً في الثامن من آذار.
كان تلك الحادثة أول مواجهة لنا مع الموت. وقد أطبق الصمت على الجميع، وهرب الدم من بعض الوجوه. ولم يحتمل كثيرون الموقف، وآثر آخرون الخروج من القاعة طلبا للقليل من الأوكسجين. كان المدرس واقفا أمام الجثة يملي على الكاتبة بصوت محايد، ويعود بين الفينة والأخرى إلى سيجارته. يتكلم بلغة حيادية خالية من أي عاطفة أو تأثر: "الطول 158 سم، لون الشعر بني، لون العينين...".
ما أزال أذكر الاستهجان الذي قابلنا به تصرف ذاك الأستاذ، وابتسامته الساخرة التي كانت تصفع ذهولنا وتأثرنا بالموقف. ولم يدر بخلد أي منا أنه لن يمضي وقت طويل حتى نتغير.
توالت بعد ذلك الدروس، وتوالت الجثث، والمواجهات مع الموت، لكننا لم نتنبه إلى أننا قد تغيرنا، وأن رهبة الموقف الأول قد زالت. وأن التعوّد قد تسرب إلى قلوبنا، وأن تعاطفنا مع الضحايا وأهلهم قد خبا، والتفاصيل الإنسانية الصغيرة التي كنا نوليها أهمية تحولت إلى مجرد أدلة، وقد تكون موضع تندر البعض في بعض الأحيان، وأن فصاما قد حصل داخل كل منا ما بين عقله وعواطفه.
فالطبيب يحاول خلال حياته المهنية أن يخترع وسائل للدفاع عن النفس في مواجهة المرض، والموت، وآلام الناس، وذلك من خلال ابتداع حالة من الإنكار أو تبلد المشاعر وتخدرها، أو الحفاظ على مسافة أمان بينه وبين مرضاه، خاصة في مراحل مرضهم المتقدمة. فهو عندما يواجه موت الآخرين، يذكره ذلك بأنه سائر إلى نفس المآل، حتى إن البعض يرى أن بعض الأطباء اختاروا مهنة الطب خوفا من الموت، ولإثبات أنهم قادرون على مقاومته وقهره من خلال مرضاهم.
كثيرا ما يراجع الواحد منا نفسه متهما إياها بالقسوة في ردة الفعل حيال آلام وموت الآخرين. لكنها ليست سوى القشرة التي تغطي طبيعة هشة، نحاول جاهدين التستر عليها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تجربه (طبيب خريج جامعه العلوم و التكنولوجيا)

    السبت 7 آذار / مارس 2015.
    الى تعليق أد.كمال غرايبه
    تماما كما تعلمنا الجراحه و مبادئها بعد التخرج.
    و تماما كما كان بعض مدرسين الجراحه يجمعونا في مكاتبهم بعيدا عن المرضى و يلقوا علينا نظرياتهم في الحياه بدلا من ان يعلمونا في المختبرات و بين غرف المرضى. جامعه العلوم من افضل جامعات العالم و لكن هناك من لا يستحق العمل بها. و شكرا للدكتور عاصم على المقال الواقعي و الرائع.
  • »التعود...نعمة ام نقمة ؟ (كامل طالب عامر)

    الجمعة 6 آذار / مارس 2015.
    ترى هل التعود يؤدي اخيراً الى النسيان ام ان التناسي والتعود صنوان ؟ ان الانسان جبار في كل شئ ، في التعود على رؤية الموت الذي يدركه من مشاهداته للأموات وللناس الذين يفارقون الحياة ....فترى الانسان يعتاد على فراق اقرب الناس اليه كالآباء والأبناء وغيرهم وتمضي الأيام بسرعة فيسلم الامر وبانهم لن يعودوا اليه ...ويصبح الامر تعودا ،أظن ان هذا التعود نعمة فالنسيان في كثير من الأحيان ...نعمة. احسنت يا دكتور فيما ذهبت اليه
  • »التعود (اد كمال غرايبة)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2015.
    لقد اثرت فضولي د عاصم كيف كانت اول خبرة بالجثث في الطب الشرعي بينما دروس التشريح تتم في السنوات الاولى من الدراسة اي قبل ان يتم تدريس الطب الشرعي والسؤال الاخر كيف كان يتم التدريس وادكتور الذي يشرح كان يدخن وسؤايلي ما هي البلد التي يتم التدريس بها هكذا
  • »نعمة و نقمة (ابراهيم رمان)

    الأربعاء 4 آذار / مارس 2015.
    مقال رائع يمس شغاف القلوب فالتعود قد يكون نعمة و نقمة في نفس الوقت ,فهو كما ذكر الكاتب قد يكون وسيلة لحماية الناس من الانهيار من كثرة المآسي الخاصة و العامة من حولهم,لكن الخطير هنا انه من فرط تعودنا قد ينتهي بنا الامر بأن نقبل بالوضع و نتعامل معه كما لو انه طبيعي او حتى مقبول و نصبح نقبل بالسيء مخافة الاسوأ .من جهة اخرى قد يعتاد الانسان مع الوقت رؤية الاشياء الجميلة من حوله فيفقد متعة الاستمتاع بها و يمر بها كما لو انها غير موجودة فتصبح حياته رتيبة مملة قلما تجد فيها ما يسترعي الانتباه.