إبراهيم غرايبة

هل ينجح الإخوان المسلمون الجدد؟

تم نشره في الخميس 12 آذار / مارس 2015. 01:05 صباحاً

هناك ثلاثة شروط على الأقل لنجاح الحركات والبرامج الاجتماعية، متصلة بالبيئة المحيطة بعملها؛ وبذلك فإنها تؤثر تأثيرا حاسما في مستقبلها ومسارها: وجود فعلي وحقيقي لمجتمعات تملك الحد الكافي من الموارد والإدراك لأولوياتها واحتياجاتها، والقدرة على المشاركة والولاية على هذه الاحتياجات والأولويات؛ وذلك يؤدي بداهة إلى الشرط الثاني وهو وجود نخب وقيادات وطبقات تدرك وجودها وتراثها، وتربط مصالحها بتنظيم المجتمعات لنفسها؛ وبطبيعة الحال فإن ذلك يقتضي أن تربط الحركات الاجتماعية وحلفاؤها من النخب والطبقات والمصالح وقواعدها الاجتماعية، أهدافها ونضالها بوجود هذه البيئة الملائمة وتحسين أدائها. وهذا ما لم تتمكن الحركات الاجتماعية حتى اليوم من تحقيقه أو حتى إدراكه، والاقتناع بأولويته وضرورته للعمل والإصلاح.
وهنا يمكن الملاحظة كيف ولماذا تلجأ الحركات والأحزاب إلى الأفكار الماورائية؛ سواء الدينية أم القومية أم القرابية. ففي استدعاء دوافع التحرير والثواب والعصبية، يمكن بناء قواعد اجتماعية وتنظيمية للعمل والمشاركة، لأنه في غياب المجتمعات والمدن والأسواق المستقلة، لا تعود للطبقات والنخب المُعوّل عليها القدرة ولا المصلحة في التحالف مع المجتمعات، وتفضل بدلا من ذلك أن تتحالف في الصباح مع الأوليغاركية المهيمنة على الموارد والقرار، وفي المساء تشارك في مقاومة التطبيع والدعوة الى تطبيق الشريعة والاحتجاج على السفارة الإسرائيلية والتضامن مع مطالب المسلمين في الصين والمحتلين في مدينة لم أعد أتذكر اسمها، ولكن يقال إن إيران احتلتها!.. لماذا وكيف نسينا أنطاكية وأورفة برغم أنهما مركزا العرب الحضاري والعلمي قبل دمشق وبغداد؟!
وبالتأكيد لا أقول هنا إنها أفكار ومضامين خاطئة، ولا أدعو إلى نبذها. ولكنها برغم صوابها إن كانت صائبة، وعدالتها إن كانت عادلة، لا تحقق الإصلاح والتقدم؛ وإنما هي أفكار وتجمعات إضافية وليست أساسية. الابتسامة مثلا، سلوك جميل وإيجابي، ولكنها لا تصحح الأخطاء الفادحة والمهلكة في تخطيط وتصميم الشوارع والأحياء والمدن والبلدات.
وهكذا يمكن التقدير ببساطة إن كان سينجح "الإخوان الجدد"، أم سيكررون المشهد الفاشل والقائم اليوم. فإذا اتجهوا نحو تعزيز استقلال المدن والمجتمعات ووعيها لوجودها، وأنشأوا مصالح وطبقات وقواعد اجتماعية ليست مرتبطة فقط عاطفيا بهذا المشروع ولكن مصالحها وتقدمها أيضا مرتبطان به، أو ببساطة أكثر تنجح حركة اجتماعية -أي حركة اجتماعية- عندما تقدر على اجتذاب وتجميع الذين يسعون ويتطلعون إلى الكرامة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية التي تعكس نفسها في تنافس عادل على الفرص والموارد، ومدارس حكومية ناجحة وقادرة على استيعاب جميع التلاميذ، وعيادات ومستشفيات حكومية فاعلة وكفؤة وكافية لاستيعاب جميع المواطنين، ورعاية اجتماعية كافية لتغطية جميع المرضى والمعوقين وكبار السن. تجربة "الإخوان" لا تحتاج فقط إلى تصويب قانوني، ولكنها تحتاج إلى مراجعة استراتيجية. وإذا واصل "الإخوان الجدد" استدعاء الدوافع الدينية حتى مع صوابها، وكرروا أفكار ووسائل "الإخوان القدامى" في العمل والتجمع، فلن يتغير شيء حتى لو نجحوا في استقطاب أعداد كبيرة من الأعضاء والمؤيدين.

التعليق