د.أحمد جميل عزم

"فتى الشاشة" الجديد في مسلسل السلام

تم نشره في الخميس 12 آذار / مارس 2015. 01:03 صباحاً

عيّنت الإدارة الأميركية مسؤولا جديدا ليشرف على عملية التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية.
وتبدو هذه العملية أشبه بالمسلسلات الأميركية الطويلة جدا، التي قد يغيب بعض الشخصيات فيها لحلقات طويلة، ثم يعودون، كما تتغير العلاقات وعمليات الطلاق والزواج والأخلاق، بشكل درامي. وعلى سبيل المثال، فإنّ دينس روس ومارتن إنديك، الصهيونيان المحبّان لإسرائيل بلا هوادة، وأصحاب المكائد اللامنتهية في تضييع الوقت وتهريب بطل المسلسل المستعصي (السلام)، يختفيان بضع سنوات ثم يعودان، وتكون عودتهما أحياناً غير متوقعة، كاستعانة الرئيس أوباما بهما، بعد أن كان قد جاء في بداية عهده بالمربي الفاضل كبير السن (الذي يظهر كمدير مدرسة) جورج ميتشيل، بينما كان دينس روس مشغولا في "تصوير" مشاهد عن إيران، ثم عاد لدوره المفضل في عملية التسوية وأزاح ميتشيل وسخر منه ومن مطالبه وقف الاستيطان. والآن، يستعين أوباما بالشاب الطيب، الذي تؤذيه عنجهية وأكاذيب ولاأخلاقية الحكومات الإسرائيلية، وهو روبرت مالي؛ إذ عُّينَ الأسبوع الماضي مساعدا خاصاً للرئيس الأميركي، مُنسقاً لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج.
ومالي (مواليد 1963)، سبق وأن أغضب الإسرائيليين كثيراً، العام 2001 (وكان في الثامنة والثلاثين من عمره)، عندما كتب مقالا عرّى فيه موقف الإسرائيليين في مفاوضات كامب ديفيد مع الرئيس ياسر عرفات، ورفض فيه كل ما اجتهد روس (مواليد 1948) في ترويجه آنذاك عن تعنت فلسطيني. كما أنّ مواقف مالي من العلاقة مع "حماس" مختلفة، وفي العام 2008 انتُقدَ بشدة للقائه -باعتباره باحثا في مركز أبحاث- مع قيادات من "حماس"، وابتعد حينها عن حملة أوباما الانتخابية لتجنيب الأخير ضريبة علاقتهما، بعد هجمة اللوبي الإسرائيلي عليه. والآن سيبدأ مالي منصبه الجديد مطلع نيسان (إبريل) المقبل.
حتى تكتمل حبكة الحلقة الجديدة، يجب أن نتذكر شيئاً، وهو أنّ مفاوضات سرية جرت بين القيادة الفلسطينية والإسرائيليين العام 2013، وكانت بواسطة حسين آغا، الأكاديمي اللبناني المقيم في بريطانيا، والقريب من دوائر السياسة الرسمية الفلسطينية. وهو بدوره شاب أيضا نسبيا، بدأ يعرف دروب الموضوع الفلسطيني منذ "زمن الثورة الجميل" في لبنان، مع المفاوض الإسرائيلي إسحق مولخو. وقد كشف عن ذلك مؤخراً. وهذه المفاوضات "يقال" إنّ فريق المفاوضين الفلسطينيين الرّسمي، بمن فيه د.صائب عريقات، لم يعرف عنها، وإن كان قد نشر أيضاً أن سبب تراجع الإسرائيليين عن المفاوضات أنّ آغا لم يحظ بدعم فعلي من الرئيس محمود عباس. وإذا كان نبأ المفاوضات كشف قبل أشهر، لكن تفجير الموقف جرى قبل أيام، أي قبيل الانتخابات الإسرائيلية، بنشر الصحافة الإسرائيلية اليمينية والمناهضة في الوقت ذاته لرئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو، لوثيقة المفاوضات، ويقال إن فيها تنازلات قدمها الأخير عبر محاميه الموثوق مولخو للفلسطينيين عبر آغا. وحتى تكتمل الإثارة، وكما لاحظ كاتب إسرائيلي، فإن نتنياهو لم يفعل ما فعله سلفاه، إيهود باراك وإيهود أولمرت، بقولهما لقد كنا كرماء وعرضنا على عباس شيئاً لم يقبله، بل رد نتنياهو "بذعر" صبي اكتُشف في فعلٍ معيب: "لست أنا.. لم أفعل شيئا". وقال: أعلن توبتي عن أي عرض قدمته للفلسطينيين.
ما يعرفه كثير من المشاهدين أنّ مالي صاحب المواقف الموضوعية، وغير الرافض للاتصال كليا مع "حماس"، هو الصديق القريب لحسين آغا، وهما يكتبان معاً مقالاتهما في كثير أو أغلب الأحيان، بما في ذلك المقال الأشهر العام 2001، في مجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، والذي كشف تفاصيل مفاوضات كامب ديفيد. ونعلم كمشاهدين أيضاً أنّ "حماس" تجري حالياً اتصالات مع أوروبيين أيضاً لفك الحصار وفق تسوية هدنة لسنوات مع الإسرائيليين.
إذن، بعيداً عن لغة المسلسلات (التي قد تكون درامية وقد تكون وثائقية)، وقد تكون مزيجا (ديكودراما)، يمكننا أن نلجأ للرياضيات: 1 - روبرت مالي
2 - صديقه حسين آغا 3 - مفاوضات أو "شبه مفاوضات" سرية بين عباس ونتنياهو 4 - مفاوضات أو "شبه مفاوضات" بين "حماس" ونتنياهو. وبمجموع هذا يمكننا اكتشاف طبيعة سيناريو محتمل مقبل. لكن، كم سيكون "جميلا" لو أصر الفلسطينيون على التدويل والمقاومة الشعبية، وإعادة البناء الوطني بجانب كل شيء. عدا ذلك، يُخشى أنّ الحلقة المقبلة ستكون حقنة مخدرة أخرى، لمفاوضات عبثية جديدة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »منورات لكسب الوقت (د. عاصم الشهابي)

    الخميس 12 آذار / مارس 2015.
    أضيف الى تعليق كتابنا د. أحمد عزم التالي: يظهر أن كل ما يدور في السر والعلن عن مفاوضات حقيقية أو كاذبة ليس أكثر من قرار إسرائيلي-أمريكي بكسب المزيد من الوقت من الفلسطينيين حتى يتم إستيطان ما تبقى من الأراضي الفلسينية،ولمنع أقامة دولة فلسطينية. والعجيب بالأمر أن السلطة الفلسطينية لا تزال تناور
    بموضوع التنسيق الأمنى واللجوء الى المحكمة الدولية والمنظمات الدولية الأخرى.