عيسى الشعيبي

أربعة عشر كوكبا منيرا

تم نشره في الجمعة 13 آذار / مارس 2015. 01:04 صباحاً

وسط منافسات تقليدية مفعمة بالاتهامات الشخصية وروح المناكفات السياسية المتبادلة بين المتسابقين على كسب الأصوات الحائرة، وفي غمرة ملاسنات حادة ينخرط فيها الجميع ضد الجميع؛ من المقرر أن تجرى بعد أيام معدودة انتخابات إسرائيلية عامة، لاختيار أعضاء الكنيست العشرين، ومن ثم تشكيل حكومة جديدة.
في ما مضى من وقت طويل، كانت هذه الانتخابات محل اهتمام منقطع النظير من جانب الأوساط السياسية والإعلامية في العالم العربي، المتطلع بحرقة لمشهد انتخابي مماثل لديها؛ حيث كانت تعقد الندوات، ويجري استنطاق الخبراء في الشأن الاسرائيلي، ويسهر المهتمون حتى الصباح ليلة فرز صناديق الاقتراع، لاستطلاع نتائج العينة التلفزيونية.
كفّت النخب العربية، منذ نهاية زمن الرتابة السياسية في بلادنا، عن الاهتمام بانتخابات الكنيست، التي بدا أعضاؤها، من مختلف الأحزاب الصهيونية، متساوين كأسنان المشط إزاء كل ما يتعلق بالقضايا العربية والفلسطينية. كما فاقم "الربيع العربي" وتداعياته الكارثية، من حالة الانصراف، حد التجاهل التام لمجريات هذه الانتخابات النمطية.
إذ يكاد المرء لا يعثر اليوم سوى على عدد قليل من الأخبار والمقالات المنشورة في الصحافة ووسائل الإعلام العربية حول هذه الانتخابات، عكس ما كانت عليه الحال في السابق، خاصة أن التطورات الدراماتيكية، والحروب الداخلية، لم تدع مساحة للانشغال بهذه الانتخابات البعيدة عن جدول الاهتمامات العربية.
إذن، ما الذي يدعونا، هذه المرة، لإيلاء انتخابات الكنيست بعضاً من الاهتمام؟ وهل هناك جديد فيها يحملنا على معاودة الترقب والانتظار لما قد تسفر عنه من نتائج تستحق المراهنة؟
أحسب أن ما يشغل بال المعنيين بهذه الانتخابات التي تنطوي على متغير غير مسبوق، وجود قائمة عربية مشتركة، هي الأولى من نوعها في انتخابات الكنيست، تضم معظم ألوان الطيف السياسي لعرب 48، بمن فيهم اليساريون والقوميون والإسلاميون، لخوض هذه المعركة بلا منافسات داخلية كانت تضعفهم وتشتت شملهم.
ومع أن تشكيل هذه القائمة جاء تحت ضغط المخاوف من عدم اجتياز ما يسمى "نسبة الحسم"، وبالتالي تهميش العرب أكثر فأكثر داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية، إلا أن مجرد التوافق على هذه القائمة، أياً كانت الدوافع والحسابات لدى الأطراف المعنية، كان إنجازاً قوميا في حد ذاته، وتطورا مهما يبنى عليه لصد موجة اليمين العنصري الإسرائيلي العاتية.
والحق أن نجاح الأحزاب العربية داخل مناطق 48 في تشكيل قائمة موحدة، وتأمين فوز كل هذه الأحزاب بمقاعد تتناسب ووزنها التصويتي، قد أوجد حالة من الوحدة النادرة، ورفع من المعنويات ودرجة التوقعات، وكشف عن مكامن القوة الذاتية. وفوق ذلك، خلق شعوراً بالجدارة الوطنية والقومية، بإمكانية الفوز في معركة البقاء السياسي العصيبة.
وبحسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي عشية هذه الانتخابات المبكرة عن موعدها المقرر، فإن القائمة العربية المشتركة ستفوز بأربعة عشر مقعداً. وهناك من يتوقع لها حصد مقعد واحد أو مقعدين إضافيين، إذا بلغت نسبة المصوتين العرب نسبة المقترعين اليهود، وهي 70 %، الأمر الذي سيفضي إلى معادلة جديدة داخل الكنيست، ويملي واقعاً مختلفاً لا تستطيع الأحزاب الصهوينية تجاوزه.
فإذا صحّت التوقعات المتفائلة، وبلغ عدد المقاعد العربية ستة عشر مقعدا، فإن النواب العرب سيكونون القوة الثالثة في الكنيست، وقد يمنعون عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، بل وربما سيتولى رئيس هذه القائمة قيادة المعارضة التي تشكل أحد أهم أعمدة النظام السياسي الإسرائيلي.
إزاء ذلك، فإن النواب العرب الأربعة عشر، وفق توقعات الحد الأدنى، سيكونون بمثابة أربعة عشر كوكبا تضيء ردهة الكنيست المعتمة بالقلنسوات والمعاطف السوداء الطويلة، إن لم نقل إن هذا المعطى الاستثنائي سيخلق واقعاً سياسياً مغايراً لما درجت عليه الحياة الحزبية الإسرائيلية التي ظلت تعتبر مشاركة الأقلية العربية الكبيرة الممزقة، مجرد ديكور في مشهد لعبة الديمقراطية اليهودية.
ذات مرة، قبل عشر سنوات وأكثر، قال لي أحد النشطاء من عرب 48: لو أن عددنا يبلغ مليوني مواطن، لتمكنا من تغيير قواعد اللعبة الإسرائيلية، بل وأمسكنا بآلية اتخاذ القرارات في الدولة القوية، وهو أمر من شأنه تغيير وجه الشرق الأوسط. فهل نحن اليوم على مشارف تحقيق مثل هذه النبوءة، التي قد نرى بعض تجلياتها في الأشهر القليلة المقبلة؟

التعليق