من يوميات عامل وطن

تم نشره في السبت 14 آذار / مارس 2015. 01:06 صباحاً

قُبيل الظهيرة، جلست أنا ومصطفى نأكل سندويشة الفلافل التي ابتعناها للتو من مطعم شهير في الصويفية، على بعد أمتار من الشوارع التي عملنا على تنظيفها منذ ساعات الصباح الباكر. دقائق من الاستراحة بعد تعب الصباح لعلنا نستحقها، بصحبة السندويشة اليومية اللذيذة. كان هذا رأي مصطفى أيضاً، وهو يلوذ بظل زاوية البناية المقابلة للمطعم، مستنداً إلى جدارها الحجري الأبيض الذي يميز مباني هذه المناطق الثرية من عمّان.
يوم قائظ في أواخر الشتاء، ملأ الجو غباراً، بينما كانت المحال التجارية من حولنا تضج بالحركة. مسح مصطفى جبينه بهدوء، فكان عليّ أن أتوقع انخراطه في نقده اليومي لهؤلاء الصبيان الذين يقودون سيارات الدفع الرباعي في شوارع الصويفية.
لاستغرابي الشديد، لم يفعل مصطفى ما توقعت، بل نظر إليّ بطرف عينه وهو يزيل غلاف السندويشة الرقيق استعداداً للقمة الأولى، قائلاً: "مش عاجبك البرتقالي؟ صاروا الناس محتارين فينا شو نلبس؛ مرة أزرق، مرة أخضر..". ثم ضحك نصف ضحكة أو أقل! رفعت كُمّ ردائي البرتقالي مجيباً: "عاجبني ونص"! ورميت نفسي إلى جواره باحثاً عن شيء من الظل لعينيّ اللتين أتعبهما غبار هذا اليوم.
قال مصطفى: "بالنسبة إلي، مش مفرق اللون. والله العظيم بحكي جد. بس مفرقة معي الطريقة". تابع بعد أن بلع اللقمة: "يا رجل شو العيب إنه حد يلبس مثل لون عمّال الوطن؟ ول!". أجبته، وقد عزف لي على وتر حساس: "معك حق، الزي الموحد موجود عند عمال المصانع وعمال المزارع وعمال شغلات كثيرة وما حد حاكي، بس لما الموضوع يوصل عمال النظافة بتصير الشغلة عيبة".
تابع مصطفى كأنه لم يسمعني: "بتعرف يا علي، الشغلة صار فيها مزاودة كثير، من اللي خايفين يتشبهوا فينا ومن اللي مش خايفين يتشبهوا. يا أخي الألوان هذي من الله ومش مسجلة بأسمائهم!". لم أجب، فلن أجاري مصطفى في فلسفاته على أي حال، وأريد أن أستمتع بمذاق السندويشة من دون كلام. سألني: "طيب إنت شو اللون اللي بتحب تلبسه؟ إحنا العمّال ما حكينا رأينا!".
لفت الموضوع انتباهي. "صحيح والله"، هتفت بحماس وقد طار مذاق السندويشة من فمي! "صحيح!". أردف مصطفى ساخراً، "يا زلمة بقولك والله مش مفرق معي الموضوع، بس نفسي أختار اللون اللي بدي ألبسه. وبعدين ليش إحنا بالذات موضوع رأي عام ومش أي مهنة ثانية؟!".
"مصطفى بلّش يتفلسف"، هكذا حدثتني نفسي، "رأي عام ومش رأي عام وهالسوالف تبعته". رمقني متبسماً وكأنه قرأ أفكاري: "كول كول. صحتين. طبعاً مش عاجبك الحكي. ما بتفرق يا علي والله بعرف رأيك، المهم ماكلين لقمتنا بعرقنا ومطعمين ولادنا بالحلال. بس مش غلط نقول رأينا مثل ما غيرنا قالوا رأيهم بلباسنا. مش إحنا بالآخر اللي بدنا نلبس؟!".
"هذي الشغلة عند بلتاجي؟"، هكذا قاطعته مستوضحاً. وأضفت قبل أن يخطف مني الكلام: "والله الزلمة محترم، بكفي إنه الوحيد اللي لبس لبسنا، وحمل المكنسة ونزل الشارع ينظف بإيده". هزّ مصطفى رأسه موافقاً، وتابع: "قصدي أحكيلك عن تعامل الناس مع مهنتنا: اللي ما بده نستعمل لونه، واللي بده يقرر عنا، واللي كذا واللي كذا. يا أخي اللي بيشتغلوا بالبحر بيلبسوا برتقالي وما حد قال عن لباسهم إشي. اش معنى إحنا؟".
رددت متنهداً: "قوم يا أبو صطيف نكمل شغل". وتابعت محاولاً ختم الحوار: "رح أقولك مثل ما كانوا يقولوا على البث المباشر زمان: ملاحظتك صارت على الهوا! بس برضه إنت ما قلتلي شو اللون اللي بتحب تلبسه؟!".

التعليق