منطقة "فور كورنرز".. موطن شعب أناسازي

تم نشره في الأحد 15 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً
  • التكوينات الصخرية في منطقة كانيون لاند - (د ب أ)

بلاندينغ- يعد شعب أناسازي من الشعوب الأميركية الأصلية، التي تركزت في ما يعرف الآن بمنطقة الأركان الأربعة الحدودية "فور كورنرز" في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تضم جنوب يوتا وشمال أريزونا وشمال غرب نيومكسيكو وجنوب كولورادو. وكانوا يعيشون في مجموعة من الهياكل ومساكن محفورة في الأجراف. وتستقطب هذه المنطقة العديد من السياح، الذين يرغبون في التعرف على ثقافة أناسازي والآثار والرسومات والاستمتاع بالتجول في المحمية الطبيعية.
ودائماً ما يصطحب غاريد باريت الزوار أثناء التجول وسط المناظر الطبيعية، التي ما تزال مليئة بالأسرار والألغاز. وقد ترك هذا المرشد السياحي زوجته وأطفاله الثمانية واستقر في الصحراء من أجل التوصل إلى اكتشافات جديدة ومشاركتها مع السياح، وأوضح قائلاً: "نادراً ما يتوقف السياح، الذين يزورون ولايات يوتا وأريزونا وكولورادو ونيومكسيكو في هذه المنطقة؛ حيث تتلاقى حدود الولايات مع بعضها بعضا؛ إذ يقطع معظم السياح المسافات بين أجواء الغرب المتوحش في وادي "مونومنت فالي" وجسور الأحجار الطبيعية ذات اللون البني المائل للحُمرة في المحمية الطبيعية بدون أن يمروا بهذه المنطقة".
وقد انصب اهتمام غاريد باريت أثناء فترة الدراسة الجامعية على منطقة "فور كورنرز" الحدودية، والتي كانت تعد من أكثر المناطق كثافة للسكان في أميركا الشمالية خلال الفترة من القرن الثامن إلى الثالث عشر الميلادي. ويعتقد المرشد السياحي أنه كان هناك حوالي نصف مليون من شعب أناسازي يعيشون في الأخاديد والوديان المتشعبة لمنطقة "فور كورنرز"، وأضاف أنهم قاموا بزراعة الذرة والفاصولياء والقرع وقاموا بتصنيع أنواع رائعة من السيراميك.
ومن المرجح أن شعب أناسازي اضطر إلى ترك هذه المنطقة بسبب الجفاف قبل وصول المكتشفين الأسبان إلى أميركا الشمالية، وقد تركوا خلفهم أطلالاً مميزة من الناحيتين المعمارية والتاريخية، والتي تتخذ أغلبها شكل وحدات صخرية مع الطوب اللبن، والتي تكون مبنية في التجاويف الصخرية أسفل البروز الصخري. وفي حين جذبت التجمعات السكانية الكبيرة لشعب أناسازي في "شاكو كانيون" أو في المحمية الطبيعية "ميسا فيردي" العديد من الأفواج السياحية منذ فترة طويلة؛ فإن المباني القليلة في منطقة "فور كورنرز" لم يزرها سوى أعداد قليلة من السياح، ولكن بدأت المنطقة تشهد رواجاً بعد السبات العميق، الذي امتد لقرون طويلة.
ويعد باريت واحداً من القلائل، الذين يسعون لتنشيط حركة السياحة في هذه المنطقة الزاخرة بالعجائب، التي لم يتم اكتشافها، وعادةً ما يكون بانتظار السياح قبل الانطلاق في الجولة برفقة باريت ثلاث سيارات جيب وأربع دراجات رباعية العجلات.
صخرة "نيوزبيبر روك"
وفي الصباح الباكر، ينطلق باريت بصبحة السياح على متن سيارات الجيب ذات الخلوص الأرضي الكبير في منطقة "نيدلز" في المحمية الطبيعية "كانيون لاند"، وتتوقف الرحلة في محطتها الأولى عند صخرة "نيوزبيبر روك" في مقاطعة سان خوان، والتي تبعد حوالي 50 كيلومتراً إلى الشمال الغربي من مدينة مونتايسلو.
وأشار المرشد السياحي إلى لوحة ضخمة بها 650 نقشاً، وأضاف قائلاً: "قامت قبائل الهنود الحمر المتنوعة قبل 2000 عام بحفر أول صور للجاموس والظباء والإنسان على هذا الحجر". وكثرة أعداد الصور هنا توضح أن هذه المنطقة كانت مزدحمة بالإنسان والحيوانات المختلفة.
وبعد المرور من مدخل المحمية الطبيعية، يبدأ الجزء الصعب من الجولة الاستكشافية؛ حيث يبدو باريت في غاية التصميم والإرادة على اجتياز صخرة وقفت عائقاً أمام سيارته الجيب، وانطلقت الرحلة على الصخور شديدة الانحدار صعوداً وهبوطاً، وبدأت السيارة تشق طريقها وسط الممرات الضيقة والأقواس الحجرية الطبيعية المميزة بقطاعات من اللونين الأحمر والأبيض. وبعد فترة قصيرة من التجول يتمكن السياح من مشاهدة التقاء نهر "جرين ريفر" مع نهر كولورادو، ودائماً ما تمر الرحلة السياحية على التجمعات السكانية وصوامع الغلال السابقة لشعب أناسازي، وفي كثير من الأحيان يتمكن السياح من المرور على منصات المراقبة والمداخن الضيقة وممرات التسلق الحادة.
وكانت الجولة السياحية أكثر إثارة في اليوم الثاني من الرحلة عندما تم الانطلاق إلى المنطقة الجنوبية من المحمية الطبيعية "كانيون لاند"؛ وقد اصطحب باريت السياح إلى أطلال المباني القديمة، ولم يظهر أثر لأي إنسان في هذه المنطقة، بسبب وجود مشكلة في إمدادات المياه، ولكن مجاري الأنهار هنا تشير إلى أنه في الفترة السابقة كانت توجد جداول وأنهار صغيرة، والتي ما تزال آثارها موجودة في بعض المواقع، ولكن لا يمكن رؤيتها.
وفي اليوم التالي، قدمت كاسيدي، ابنة باريت، الدليل على وجود جداول المياه في هذه المنطقة خلال الفترة السابقة؛ حيث ظهر أمام السياح في هذه الصحراء الصخرية القاحلة فتحة نزلت فيها كاسيدي إلى أسفل بواسطة حبل التسلق.
وبعد أن نزلت إلى مسافة أعمق ظهرت متاهة من الكهوف والشقوق الصخرية، حتى ظهر مجرى مائي في أرضية "كانيون سلوت"، والذي قد يتحول إلى تيار ماء متدفق عند سقوط الأمطار. وبعد بضع مئات من الأمتار يتسع الكانيون وتمر الرحلة ببطء عبر الوادي، ويتعرف السياح على المحاصيل، التي كان يزرعها شعب أناسازي، والتي ما تزال بقاياها موجودة حتى اليوم.
وفي نهاية الرحلة، أوضحت كاسيدي أن العلماء يعتقدون أن هناك مئات من المستوطنات غير المكتشفة ترجع لفترة شعب أناسازي مختفية في منطقة "فور كورنرز" الحدودية. وأضافت أن دراسة تاريخ هذه القبائل ما تزال في مراحلها الأولى، وكل يوم يقضيه المرء وسط هذه المناظر البديعة يعد مغامرة بحق، وتزداد المتعة والإثارة أيضاً عندما تتم مشاركة هذه التجارب من الأشخاص الآخرين.-(د ب أ)

التعليق