تونس: التحول الديمقراطي يكتمل بـ "الانتقال الاقتصادي والاجتماعي"

تم نشره في الأربعاء 18 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء التونسي المكلف الحبيب الصيد -(ارشيفية)

تونس - أدرك الحكام الجدد في تونس محدودية هامش التحرك المتاح امامهم لإيجاد حلول سريعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة منذ الثورة التي اطاحت مطلع 2011 بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
ومساء الاثنين صارح رئيس الحكومة الحبيب الصيد التونسيين في خطاب توجه به اليهم عبر التلفزيون الرسمي بصعوبة هذه الأوضاع التي قال انها "تبعث على الانشغال".
وتسلمت حكومة الصيد مهامها في شباط (فبراير) الماضي وهي حكومة تحالف بين حزب نداء تونس العلماني الفائز بالانتخابات التشريعية وحركة النهضة الاسلامية التي حلت الثانية في الانتخابات، وحزبين صغيرين آخرين.
وقال الصيد في الخطاب "بالنسبة الى الوضع الاقتصادي، أصارحكم بأنه صعب ويبعث على الانشغال" لافتا الى ان حجم الاستثمارات في تونس تراجع في 2014 بنسبة 21 بالمئة مقارنة بـ2013 وبنسبة 32 بالمئة مقارنة بسنة 2010.
وأضاف أن عجز موازنة الدولة ارتفع إلى 7،4 مليار دينار (أقل من 3،5 مليار يورو) في 2014 مقابل 3 مليار دينار (أقل من 1،5 مليار يورو) في 2010.
وأقر بأن معدلات البطالة "ما زالت مرتفعة" وانها تشمل اليوم "أكثر من 31 بالمئة" من خريجي الجامعات.
ولم يقدم رئيس الحكومة اجراءات عمليّة من شانها التخفيف على المدى القصير من وطاة الصعوبات التي تعيشها البلاد.
وقد أعلن "وضع منهجية لإعداد منوال (مثال) تنمية جديد" و"الطموح لبلوغ نسبة نمو تفوق 7 بالمئة من خلال (الاستثمار في) قطاعات جديدة واعدة على غرار الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الاخضر والاقتصاد التضامني".
وبعد الثورة، تراجعت في تونس معدلات النمو الاقتصادي التي كانت في حدود 5 بالمئة خلال العقد الاخير من حكم الرئيس المخلوع.
وانكمش الاقتصاد التونسي بنسبة 1،9 بالمئة في 2011 ثم حقق نموا بنسبة 3،6 بالمئة سنة 2012 و2،6 بالمئة في 2013 و2،5 بالمئة سنة 2014.
وإثر التحالف (الحكومي) بين نداء تونس وحركة النهضة، توقع مراقبون ان يسهل هذا التحالف عمل حكومة الصيد لأنه سينهي ما عاشته البلاد، بعد الثورة، من استقطاب حاد بين العلمانيين والاسلاميين.
وكان هذا الاستقطاب أحد اسباب ازمة سياسية اندلعت منتصف 2013 وانتهت مطلع 2014 بإقرار دستور جديد للبلاد.
ومنذ ايام، يعيش نداء تونس على وقع ازمة غير مسبوقة جراء صراع قياداته على زعامة الحزب الذي اسسه في 2012 رئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي.
وكان قائد السبسي استقال من رئاسة الحزب بعد توليه رئاسة تونس.
والاسبوع الماضي، قال بوجمعة الرميلي المدير التنفيذي لحزب نداء تونس في تصريح ليومية "لابريس" التونسية الناطقة بالفرنسية "لم نكن جاهزين للحكم".
ويرى المحلل الاقتصادي لطفي بوزيان ان البطء الذي يميز عمل السلطات الجديدة في تونس هو نتيجة "أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي".
وقال ان "ديموقراطية ناشئة لها كلفتها من حيث النجاعة وسرعة اتخاذ القرار".
ومنذ توليها السلطة، واجهت الحكومة تصاعد المطالب الاجتماعية والاضرابات العمالية.
والاسبوع الماضي، اضرب مدرسو التعليم الثانوي للمطالبة بزيادة رواتبهم، كما أضرب القضاة احتجاجا على مشروع قانون حكومي حول "المجلس الأعلى للقضاء" وهو هيئة دستورية ستتولى تنظيم الشأن القضائي في تونس.
وفي شباط (فبراير) شهد الجنوب الشرقي الذي يعيش على التجارة والتهريب مع ليبيا المجاورة، أعمال عنف واضرابات إثر قتل الشرطة لشاب في مواجهات بين قوات الامن ومحتجين على مصادرة بنزين مهرب في معتمدية ذهيبة من ولاية تطاوين.
وأمام توالي الاضرابات العمالية والاحتجاجات الاجتماعية، دافع الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) عن "تحركات سلمية مشروعة".
واعتبر سامي الطاهري الناطق الرسمي باسم الاتحاد ان الاحتجاجات "ليست بأي حال من الاحوال ضد مصلحة الدولة ولا تعيق عملها" قائلا "طالما هناك ظلم فستكون هناك احتجاجات".
وينتظر المستثمرون والمانحون الدوليون تنفيذ تونس إصلاحات لتحرير اقتصادها الذي يقول البنك الدولي انه "مغلق" أمام المستثمرين المحليين والاجانب و"تسيطر عليه الدولة".
ويمر الاصلاح عبر تغيير التشريعات الاقتصادية القديمة ومصادقة البرلمان على تشريعات جديدة.
وتسلم "مجلس نواب الشعب" (البرلمان) الجديد عمله في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.
وحتى اليوم صادق المجلس فقط على قانونه الداخلي وعلى الغاء رسوم مغادرة البلاد التي كانت مفروضة على مواطني دول المغرب العربي، وعلى بضع اتفاقيات قروض.
وتطالب نقابات الامن بتسريع مصادقة البرلمان على القانون الجديد لمكافحة الارهاب.
ومساء الاثنين قال رئيس الحكومة "مازال الوضع الأمني هشا ومخاطر الارهاب موجودة".
وقالت آمنة شبعان عن منظمة "البوصلة" غير الحكومية التي تراقب اعمال البرلمان التونسي ان "اللجان (البرلمانية) تعمل، لكن عندما نرى أولويات البلاد (..) فإن الامور تتجاوز النواب".
واعتبر المحلل السياسي أحمد المناعي إن اصحاب القرار السياسي في تونس "مشلولون بسبب جسامة المشاكل والمطالب" الاقتصادية والاجتماعية.
ولفت الى ان "الشعب والحكومة غير متعودين على هذا النظام البرلماني الذي لا يتحكمان في أداواته".
ويرى مراقبون ان بطء عمل الحكومة أمر مفهوم لكنهم يحذرون من استمراره لانه قد يخرج المسار الديموقراطي الذي دفع التونسيون ثمنه غاليا، عن مساره.
ويربط آخرون بين تصاعد الاحتجاجات والاضرابات في تونس والحريات الوليدة في البلاد.
وحذر الاقتصادي لطفي بوزيان من "وضعية قد ينظر فيها السكان الى الحريات كمصدر للفوضى وإزعاج الحكومة في اعمالها" قائلا "في هذه الحال ستكون الطريق مفتوحة امام اغراءات العودة الى صيغة استبداد معدلة".
وعبر الحبيب الصيد مساء الاثنين عن ثقته في كسب رهان الانتقال الاقتصادي والاجتماعي في تونس "بعيدا عن التسيب والفوضى".
وقال في هذا السياق "كما كسبنا رهان الانتقال الديموقراطي، نحن قادرون على كسب رهان الانتقال الاقتصادي والاجتماعي في كنف احترام دستور البلاد والالتزام بتطبيق القانون بعيدا عن كل مظاهر التسيب والفوضى". -(ا ف ب)

التعليق