محاربة "داعش": الخيارات الحقيقية

تم نشره في الخميس 19 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً

إيمانويل فوليرشتاين* - (ميدل إيست أونلاين)

2/3/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تسعى مجموعة "الدولة الإسلامية" إلى تحقيق هدفها المعلن بكل وضوح، والمتمثل في إقامة خلافة ممتدة بشكل كبير عبر استخدام الوحشية المفرطة عن قصد. وهي تتوقع أن تجبر هذه الوحشية المفرطة الآخرين، إما على الرضوخ لمطالبها، أو الانسحاب من المشهد. ويشعر الجميع، سواء في الشرق الأوسط أو في خارجه، بالرعب والخوف العميق من النجاحات التي حققتها مجموعة "الدولة الإسلامية" حتى الآن.
لعل الذي جعل من الأصعب كثيراً على خصوم تنظيم "الدولة الإسلامية" إحراز تقدم هو عدم رغبتهم في فهم أن الحماقات والأولويات التي في غير مكانها لمعارضي "الدولة الإسلامية" هي التي جعلت من الممكن ظهور هذه المجموعة في المقام الأول، ثم تشكيل مثل هذا التهديد الذي نشاهده.
وفي الأثناء، تدعي مجموعة "الدولة الإسلامية" بأنها تتصرف انطلاقاً من دوافع دينية منصوص عليها في القرآن. وأغلب الاحتمالات أن أتباعها يعتقدون بذلك، وهو الأمر الذي يجعل من التفاوض مستحيلاً معهم بأي طريقة من الطرق بطبيعة الحال. وهذا هو ما يجعلهم مختلفين عما يدعى الحركات السلفية السابقة التي كانت حولنا لبعض الوقت. كانت تنظيمات القاعدة والإخوان المسلمين وطالبان كلها حركات جمعت بين التشدد والبراغماتية.
اليوم نجد أن الحركات الإسلامية العربية من التيار السائد وحكومات الدول العربية، بالإضافة إلى القوى الخارجية المنخرطة في المنطقة (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وروسيا وتركيا وإيران) تدين كلها تنظيم "الدولة الإسلامية". ومع ذلك، يسود اعتقاد على نطاق واسع بأن الدولة الإسلامية تتمتع بالدعم، أو على الأقل بالحيادية المفيدة، من طرف المسلمين السنة العاديين في العالم الإسلامي، ومن شريحة الشباب على أقل تقدير. ويتدفق هؤلاء الأشخاص العاديون إلى المناطق التي تسيطر عليها "الدولة الإسلامية" بأعداد كبيرة. وفي الأثناء، يحوِّل الأشخاص المنخرطون في الحركات السلفية الأخرى ولاءهم إلى "الدولة الإسلامية".
ما هو الشيء الذي يفرض بقوة هذا الموقف الجديد؟ إنه ليس الشريعة الإسلامية. لقد كانت الشريعة هناك كل الوقت بعد كل شيء. وليست الشريعة الإسلامية إلا مجرد غطاء لتبرير الأعمال الوحشية التي تنفذها المجموعة. ومن الطبيعي أن امتلاك المجموعة لمثل هذه التغطية الدينية سيزيد من صلابة الالتزام. لكن العامل الرئيسي الذي يمكن وراء هذا الحافز هو الإحساس بفقدان الأمل. وقد فشلت الحركات والدول الأخرى -العلمانية والسلفية منها على حد سواء- في تخفيف الإحساس بالقمع الذي يشعر به هؤلاء الشباب المسلمون بطريقة يعتد بها. لكن تنظيم "الدولة الإسلامية" يقدم لهم الأمل. وربما سيصاب المتحولون بخيبة الأمل ذات يوم، لكن تلك اللحظة لم تصل بعد.
لماذا إذن لا يكون هناك ائتلاف من أولئك المعارضين للدولة الإسلامية وتهديداتها التوسعية؟ الجواب بسيط جداً: إن لديهم كلهم أولويات أخرى. فالحكومة المصرية تقاتل الإخوان المسلمين في المقام الأول. والحكومة السعودية تقاتل إيران في المقام الأول، وأي طرف يهدد ما تعتبرها حقها في قيادة المسلمين السنة في الشرق الأوسط. والقطريون يقاتلون في المقام الأول الحكومة السعودية. أما حكومة البحرين فتعطي الأولوية إلى قمع الشيعة الذين يشكلون من الناحية العددية الأغلبية العظمى. والحكومة الإيرانية تقاتل القوى السنية في العراق في المقام الأول. وبالنسبة للحكومة التركية، فهي تقاتل الرئيس السوري بشار الأسد في المقام الأول. والحركات الكردية لا تقاتل من أجل حصولها على الحكم الذاتي (أو الاستقلال) فقط، وإنما تقاتل بعضها بعضاً أيضاً. وفي الأثناء، تعطي كل من الحكومتين الأميركية والروسية على حد سواء الأولوية لمشاحناتهما المتبادلة. ويقاتل الإسرائيليون بشكل رئيسي إيران والفلسطينيين. فهل تمكن تسمية أحد يضع قتال الدولة الإسلامية على رأس قائمة أولوياته؟
هذا كله جنون مطبق. هل يستطيع أي شيء تفكيك هذه الخطة غير العقلانية من الأولويات الزائفة؟ من الواضح أن الحاجة تمس إلى خلق ظروف يتم فيها تجاوز الشقاق السني الشيعي بترتيب تتمتع فيه أي أقلية مجتمعية في دولة معينة بحقوق المشاركة المعقولة في الحكم وفي الحكم الذاتي المجتمعي المعقول. ولو تم إنجاز اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فإنهما يستطيعان في الحقيقة فعل الكثير من الناحيتين العسكرية والسياسية معاً لاستعادة شمال غرب العراق من أيدي مجموعة "الدولة الإسلامية". ولكن، هل سيسمح المتشددون في كلا البدلين بحدوث ذلك حقاً؟
ربما يتساءل المرء: وماذا بخصوص الدكتاتوريات القائمة؟ ألا يجب علينا النضال ضدها؟ لقد أفضت الجهود إلى تحقيق ذلك باعتباره الأولوية الكبرى إلى تعزيز هذه الدكتاتوريات في الحقيقة. وقد خفضت المخاوف التي خلقتها "الدولة الإسلامية" بطرق مهمة مستوى الحقوق المدنية للمواطنين والمقيمين في الولايات المتحدة وغربي أوروبا. وثمة نفاق ضخم فيما يتعلق بمن هم المستبدون الذين تجب معارضتهم. ومن الناحية الفعلية، يقوم كل طرف بحماية الطغاة الذين يعتبرهم حلفاءه الجيوسياسيين، في حين يشجب المستبدين الذين ليسوا كذلك.
لقد حان الوقت منذ زمن طويل لمراجعة أولوياتنا بشكل كامل. وتبدو احتمالات القيام بذلك، كما ينبغي لي الاعتراف، ضئيلة جداً في هذه اللحظة. لكن الحقيقة هي: ليس ثمة من خيار آخر.
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*عالم بحث رفيع في جامعة ييل، وهو مؤلف كتاب "تداعي القوة الأميركية: الولايات المتحدة في عالم فوضوي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Combating the Islamic State: The real options

التعليق