د.أحمد جميل عزم

عندما يخاف الولد أمّه!

تم نشره في الجمعة 20 آذار / مارس 2015. 12:03 صباحاً

إذا كنتَ تختص في الشأن الفلسطيني، فربما يتطور لديك حس أنّه يجوز أن تكتب في كل شؤون العالم إلا الشأن العربي، لئلا تعد كتابتك "تدخلا" في الشؤون العربية الداخلية، فتتيه وكتاباتك في متاهات العرب، رغم أنّ العرب والعروبة شيئان لا يمكن أن تنزعهما من روحك ونفسك.
أستيقظ وأقرأ في الصحافة وأشاهد، ما قرأت وسمعتُ في وسائل إعلام أمس وقبله. تشاهد صورة الشهيدة المصرية شيماء الصبّاغ مضرجة بالدماء؛ بقايا الحياة في وجه تفتحت فيه ورود وتوق للحياة، قُتِلت في مطلع هذا العام أثناء تظاهرة لإحياء ذكرى "ثورة يناير" 2011.
كانت ثورة استحضرَ فيها الثوّار أغاني وقصائد، غنّوا "يمّا يا بهية"، وغنى معهم العرب "صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر". لم أعرف لماذا لم تجر احتفالات مليونية في ذكرى "ثورة يناير"؟ لماذا كانت مظاهرات، وصبايا يُقتَلنَ، وخرطوش؟ ويقول الخبر الآن إنه تم تحويل ضابط ومجند للمحاكمة، لكن التهم تتضمن عقوبة من الواضح أنّها ستكون محدودة إذا صدرت.
خطر لي حديث بندكت أندرسون بشأن الهويّة الوطنية والأم. كتبَ أنّ "الأمم تلهم الحب"، وهو غالباً "حبٌ عميق يتضمن التضحية بالذات". وقال: "مدهشٌ كم هي محدودة عناصر الكراهية في تعبيرات المشاعر الوطنية"، و"التعبيرات المرتبطة بالطبيعة والأمومة لها مكان كبير في التعبير عن الحب، فيتم تشبيه الأرض بالأمومة...".
يتعلق حديث أندرسون بالأمم المستَعمَرة، أو التي تعيش هجوماً خارجيّاً؛ أمّا في الداخل فالأمر مختلف.
اختلاف الداخل والخارج لخصته مسرحية "كاسك يا وطن" السورية، لكاتبها محمد الماغوط، والتي يقول فيها على لسان أبطال المسرحية، عن ضرب الشرطة لهم: "حسّيت بإنو الكلاب صارت أحسن منّا"، فيرد المعتقل الآخر: "عم تبكي يا غوّار! يا حيف عليك.. كان المستعمر يشبعك أتل بالكرباج وإنت عم تضحك". فيأتي الرد: "يا ابني لما بيضربك الغريب شكل، ولما يضربك ابن بلدك شكل تاني".
مع شيماء وعيد الأم، جاءت أغنية إيمان البحر درويش القاسية "يا بلدنا، يا بلد، هوّ من إمتى الولد؟ بيخاف من أمّه لما، فـي الضلمه تضمّه". خطر لي أني كتبتُ هذه الكلمات في موقف شبيه. بحثتُ على الشبكة العنكبوتية، وجاء أني كتبت فعلا في العام 2009، وكانت القتيلة يومها نوال علي: "يذكر كثيرون قضية الصحفية المصرية نوال علي، التي تداولت الأنباء صورا وتقارير عن تعرضها للتحرش الجنسي، في شهر أيار (مايو) 2005، أمام مقر نقابة الصحفيين المصريين حيث كانت تجري مظاهرة سياسية. ووقتها حمّلت نوال، وناشطون وجماعات سياسية، "متظاهري الحزب الوطني" الحاكم، الذين كانوا يتصدون لمظاهرات المعارضة، المسؤولية. صحفيون من المدافعين عن وجهة نظر الحكومة المصرية، ادّعوا حينها أنّ نوال وغيرها مزقن ملابسهن "لإفساد عرس الديمقراطية"، وللتبلي على الحكومة والحزب الوطني". وكتبتُ يومها: "توفيت نوال علي الشهر الماضي بالسرطان. وفي الأنباء المتداولة في الصحف (...) أنّ نوال علي مرّت في ظروف عديدة (...)، منها طلاقها الذي كان جزءا من تداعيات الحادث، وخطبتها ثم فسخها خطوبتها. وتم فصلها من عملها، وعملت من جديد في صحيفة "البديل" التي توقفت عن العمل. وأن أختها توفيت بالسرطان أيضًا".
يومها اتصل باحث مصري مغترب، قائلا: كن حذراً، أنت "لا تعرف حقيقة هؤلاء البنات في وسط البلد"! يومها شعرت بألم الخوف من الأم!
عندما تموت في سبيل الدفاع عن وطنك من عدو خارجي صهيوني أو احتلال غاشم، فأنت تموت دفاعا عن الأرض-الوطن-الأم. وعندما تُقتل وتُضرب وتُهان من قبل أبناء بلدك، تتوجع أكثر، وقد تصاب بالخوف من الأرض-الوطن-الأم، وقد تفطن أنهم يريدونك خارج المعادلة وخارج الحياة، إلا إذا كنت طائعاً مطيعاً. وتكره وتخاف مواجهة ابن بلدك وشعبك وأمك. كَتبَت شيماء الصباغ في تعليق يستبق مقتلها: "البلد دي بقت بتوجع، ومفهاش دفا، يارب يكون ترابها براح، وحضن أرضها أوسع من سماها".
هي مفارقة إنسانية تاريخية متكررة، لا أعلم هل ستتغير بتقدم حياة الناس والبشرية، أم ستظل هكذا: نموت بحب لأجل الوطن-الأم، ويخوفوننا منه أحياناً، ويتسرب خوف.

التعليق