"ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"

تم نشره في الجمعة 20 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي*

ضمن الآيات التي تحدثت عن غزوة أُحد، حيث مرارة الموقف وصعوبته، ومقتل سبعين من صحابة رسول الله، وجرحه صلى الله عليه وسلم، حتى أشيع مقتله؛ وحيث ثأرت قريش لما كان في غزوة بدر، وحين عاتب الله المؤمنين على أخطائهم في معصية النبي صلى الله عليه وسلم، وإرادة الدنيا، فكان ما كان؛ ضمن هذه الآيات التوجيهية، يأتي قوله تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران، الآية 159)، حيث التأكيد على علاقة القائد بجنده. أي برحمة الله عليك، ألنْت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، فكان الترفّق والإحسان؛ فرحمتهم فاجتمعوا عليك وأحبوك وامتثلوا أمرك. ولو كنت سيئ الخُلق قاسي القلب، لتركوك وانفضوا عنك.
ويحرص الإسلام على العلاقة الأقوى دائما؛ فأمر الله رسوله (وكل قائد صالح) أن يعفو عنهم ويستغفر لهم. وهي علاقة في الله، لها روحانيتها العالية، حين يستشعر الجميع معية الله وطلب عفوه ورحمته؛ فقيامنا وجهادنا وحركتنا، هي من أجله تعالى. ويأمره أيضا أن يشاورهم؛ فهم شركاء في المسؤولية. وهنا إشعار لهم بأنهم أصحاب شأن ولهم قيمتهم. فما أجمل أن يشعر الجميع بأنهم شركاء، أصحاب مسؤولية.
وأركّز هنا على أهمية صفات القائد زيادة على الكفاءة التي ينبغي أن تكون، دينا وخُلقا وعلما وحنكة. فلا بد أن يكون لجميع جنده ورعيته، وأن يتنازل عن رأيه إن كان في عكس رأي الأغلبية. وحتى لو كان رأيه من رأي الأغلبية، فلا بد أن يكون هذا القائد مع جميع من هم مسؤول عنهم؛ فهو قائد، ولا يمكن أن يكون القائد لفئة دون أخرى، وإلا كانت الجيوب والانحياز من جهة، وكان الظلم من جهة أخرى.
ليس عجيبا أن يذكر الله تعالى في مسألة القائد مجموعة من الصفات في كيفية سياسة قومه، رحمة حقيقية تنعكس ليناً عليهم، لا الغلظة والقسوة. ومع هذا، يذكر الله العلاقة السامية بينهم في ظل رحمة الله، ويذكر الرأي حيث المشورة والمسؤولية. ليس عبثا مجيء هذا، لأن المسلمين جسد واحد، وهمٌّ واحد، وتطلعات واحدة، إرضاء لإله واحد، سبحانه.
هناك الشورى والاختلاف المتوقع؛ فالناس مختلفون، ولكنه اختلاف تنوّع ممدوح مطلوب، ومعه احترام كل واحد للآخر، ورضا الأقلية بما عليه الأكثرية. وهذا ما طبقه النبي نفسه، صلى الله عليه وسلم، في كثير من مواقف الشورى؛ بل كان يشاورهم في معظم شؤونهم، خاصة المصيرية. ومع مبدأ الشورى، إلا أن القائد على وجه التحديد له صفات أخرى لا بد من التحلي بها، هي هذه المذكورة في هذه الآية العظيمة. وحين تكون الرحمة واللين، عندها لا يمكن للأقلية أن تشعر بأنها منبوذة، بل لها الاحترام كله، وأهم علاقة (بعد علاقتهم بالله) هي علاقتهم بهذا القائد (أنى كان)؛ فهو رحيم بهم ويحبهم، وهو مع الجميع، لا مع فئة دون أخرى.
هكذا ينبغي أن يكون القائد على مستوى الأمة أو المجتمع أو العشيرة أو المؤسسة أو الحزب أو الجماعة أو الأسرة. ومن دون هذه المواصفات، لا يمكن أن يعدل، ولا يمكن أن يصفو حال الذين تحت إمرته أبدا، مما يُشعِر بوجود خطر الانحياز فالتبعثر والشقاق. وهذا ما هو موجود عبر التاريخ.
من هنا، فإن على القائد أن يختار مَنْ هم حوله من أهل الرأي والحكمة، وأن يكون هو وقّافا عند حدود الله، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز وهو يقول لمستشاره الخاص عمر بن مهاجر: "إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثيابي وهزّني هزا عنيفا وقل لي: اتق الله يا عمر فإنك ستموت".
القائد للجميع، لا لفئة دون أخرى. فبمجرد أن رضي لنفسه أن يترأس أو يدير أو يتأمّر، فمن تلك اللحظة هو للجميع. حتى في زماننا حيث قلة الوازع الديني، ولو كانت المؤسسة أو الدولة أو الجهة لا تدار على أسس صحيحة، فإن للقائد صفة مهمة هي الرحمة واحترام الجميع وعدم الانحياز لفئة دون أخرى. فالأمر الفطري المحفور في طبائع البشر، أن الحب عندها والطاعة أمران لازمان إن كان هذا القائد على مسافة واحدة من الجميع.
نحتاج في زماننا كثيرا من القيم، حتى لو كنا مسلمين أو حتى إسلاميين. فالحال تغيرت كثيرا، وواقع الأمة في درجة متقدمة من التنازع والتنافر. وعلى العقلاء الحكماء أن يغلّبوا مصالح الأمة لا الفرد أو الحزب أو الفئة. وما كان عظماء الأمة ولا التاريخ من ذوي قصار النظر أو الصدور الضيقة، فشتان بين نفوس كبيرة أرادها الله للعالمين جميعا، وبين من لا يرى إلا مصالح ضيقة، فهؤلاء لا يصلحون لقيادة أنفسهم بأنفسهم، فضلا عن أن يقودوا مجتمعات وأمم.
حري بنا أن نكون أكثر تأملا لكتاب ربنا؛ فأين الاعتصام بحبل الله، وأين نبذ التنازع المؤدي إلى الفشل وذهاب القوة؟ فالعقل والحكمة، وفوقهما الإيمان نفسه، كلها مطلوبة لتصوّب الطريق والأهداف، وترتب الأولويات والوسائل. فالمسلم يعيش من أجل الله عبادة ودعوة وعمارة للأرض. والطريق معروفة، ليست بحاجة إلى مشقة بحث: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعام، الآية 153). فالإشارة بالقريب (هذا) تدل على قربه ووضوحه. فمطلوب منا الإخلاص والصدق، والابتعاد عن الهوى والمصالح الضيقة، وعندها تكون لنا القيمة التي تليق بأتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ونُرضي ربنا سبحانه وتعالى.

*أكاديمي أردني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ضريبة غلاظة القلب !! (الدكتور راجح السباتين)

    الجمعة 20 آذار / مارس 2015.
    ذكّرتني هذه المقالة المتواضعة برجُلٍ غليظ القلب قصير القامة من المفتونين بربطة العنق الحمراء كان يشغل أحد المناصب الإدارية في إحدى الكليات الشرعية الجامعية ... كان صاحبنا المُلتحي هذا يُطلُّ على الموظّفين و العاملين و المراسِلين في الكليّة في صورة إلهٍ أو نصف إلهٍ ويُعاملهم بمنتهى الغلاظة و القسوة ... و شاء الله تعالى أن يُعزَلَ هذا الغليظ و يعود لوظيفته في التدريس بعيداً عن المنصب الإداري فعاد يجرُّ أذيال الخيبة و الهمّ و الحزن لا على سوء معاملته السابقة للناس و غلاظته التي كشفها استلامه للمنصب ولكن لأنّه عاد إلى مكانٍ لا يقدر من خلاله على إلحاق المزيد من الأذى بهم ... و ها هو اليوم يمشي الممرات و الشوارع فلا يكاد يجدُ من يردُّ عليه السلام.... كانت تلك ضريبة طبيعية يدفعها كلُّ صاحب قلبٍ غليظٍ !!!