كيف تحول إسقاط الناتو للقذافي إلى كارثة في ليبيا؟

تم نشره في السبت 21 آذار / مارس 2015. 01:00 صباحاً
  • طائرة دمرتها المعركة بين الفصائل على مطار طرابلس الليبية - (أرشيفية)

روث شيرلوك - (التلغراف)

14/3/2015

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

انهمرت الدموع على وجنتي خديجة فيما كانت الطائرة الصغيرة ذات المقاعد السبعة عشر، التي يصم هدير محركاتها في قمرة القيادة الآذان، تشرع في الهبوط في عاصمة البلد الذي مزقته الحرب. وقد تحول الأمل الذي شعرت به نحو مستقبل أفضل لليبيا بعد إسقاط الدكتاتور العقيد معمر القذافي منذ زمن طويل إلى امتعاضٍ وخوف. وهي تعود الآن على متن الطائرة إلى وطنها الأم من المنفى. فقد قتل عمها وأرادت أن تعود لحضور جنازته.
تقول خديجة: "لم يكن المقصود أن تكون الأمور على هذا النحو. لقد فقدنا عزتنا وكرامتنا. كنا قد حاربنا القذافي حتى نستطيع أن نتحدث بحرية. والآن، عادت الأمور كما كانت سابقاً، وإنما مع أمن أقل".
يتفق مع هذا الرأي العديد من الليبيين من بني جلدتها. فمنذ نهاية حرب العام 2011 المدعومة من جانب حلف الناتو، والتي أفضت إلى الإطاحة بالقذافي، تشظت ليبيا –حيث ثمة حكومتان متنافستان وعصاباتهما الحليفة المسلحة التي تتنافس على السلطة. واستبدلت الديمقراطية الوليدة بنظام قمعٍ وخوف. وأصبحت المليشيات هي اللاعبين الأكثر قوة في بلدٍ خالٍ من حكم القانون، أو من جيشٍ وطني أو قوة شرطة. وكل من يعارضها، سواءً كان سياسياً أم مدنياً، يتم إسكاته –غالباً تحت تهديد السلاح.
في ليبيا الجديدة، كما في القديمة، يكفي التحدث ضد السلطة المسيطرة لأن يجعلك مهدداً أو مقتولاً. كان هناك، كما يقر العديد، "عصر ذهبي" في الأشهر التي أعقبت مباشرةً انتهاء حكم القذافي الذي طاول أربعين عاماً. لكنه لم يمر طويل وقت قبل أن تبدأ الفصائلية بالخروج من تحت السيطرة. والآن، يجري الحديث تلك الحالة المتفائلة الموجزة بنوع من الحنين، وكأنها كانت حقبة مفرطة في البعد.
في الحقيقة، وقبل ثلاثة أعوام وحسب في العام 2012، توجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لانتخاب أول حكومة ديمقراطية في بلدهم. وقد انتشرت الصحف وازدهرت. وشهدت مدينة مصراتة التي تعتبر ثاني مدينة تجارية في ليبيا صدور 23 صحيفة. وفي قاعات المؤتمرات في فنادق الخمس نجوم، تجمع رجال حكماء لمناقشة أفضل التفصيلات الخاصة بدستور جديد للبلد. لكنه عندما بدأ عمل الحكم بشكل جدي، شرعت الأمور في الذهاب إلى الاتجاه الخاطئ.
كان أمر إزاحة الحاكم المستبد قد استغرق ثمانية أشهر. لكنه سرعان ما اتضح أن عقلية الشعب الذي خضع لحكمه سيحتاج إلى فترة أطول بكثير لكي يتغير. وحيث لا وجود لقاعدة مجتمعية مؤسسة للديمقراطية، لجأ حكام ليبيا الجدد إلى استعادة السياسات القديمة. وأصبح الفساد أسوأ مما كان عليه أيام نظام القذافي، فيما عمد كل سياسي إلى تأمين مقعده بالمحاباة والرعوية. وقال محسن ديريجيا، الرئيس السابق لسلطة الاستثمار الليبية، وهي الهيئة المسؤولة عن إدارة صندوق الثروة السيادية بقيمة 65 مليار دولار: "في كل مرة كان يأتي فيها رئيس وزراء جديد، كان يسرح الموظفين في كل الدوائر والمؤسسات ويجلب جماعته الخاصة. وفي غضون أربعة أعوام، توالى على السلطة ستة رؤساء. وما أن تشرع بالكاد في تعلم القيام بالعمل الموكل إليك حتى يتم نقلك".
هكذا، بدأ اقتصاد ليبيا الغنية بالنفط في التعثر. وتحت توالي الحكومات الضعيفة ومع القليل من فرص العمل الأخرى، رفضت المجموعات القتالية التي كانت قد تشكلت لطرد القذافي أن تحل نفسها. وبدلا من ذلك، اتهمت كل واحدة منها الأخرى بأنها موالية للقذافي بشكل سري، فاندلعت المعارك المسلحة مرة أخرى من أجل الاستئثار بالسيطرة على المرافق الرئيسية.
في طرابلس، شهد القتال بين الميليشيات من مصراتة وبلدة الزنتان الجبلية سقوط مئات القتلى. وأفضى القتال بين الجانبين على مطار طرابلس الدولي إلى إحراق المبنى الرئيس في المطار وتسويته بالأرض. وكانت صفوف من الطائرات، بعضها اشتعلت فيها النيران وأخريات لحقت بها ثقوب الطلقات النارية مع تكسر أجزاء من أجنحتها، تجثم رابضة على المدرج المغلق، في شهادة صامتة على الفوضى العارمة.
مع الحرص الذي أبداه كل طرف لتأكيد حقه في الثروة والسلطة في ليبيا الجديدة، ولإثبات انخراطهم في الثورة التي أطاحت بالنظام القديم، ارتفع عدد رجال الميليشيات التي بدأت بنحو 40.000 مقاتل خلال حرب العام 2011، إلى حوالي 160.000 مقاتل الآن. ووسط هؤلاء بدأ المتطرفون الإسلاميون بالانتعاش. وقد تعاظمت قوة مجموعة أنصار الشريعة، المجموعة الجهادية المتشددة المتهمة بقتل السفير الأميركي، كريس ستيفنز. وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت قد عملت ذات مرة منصة لمعارضي القذافي ولترتيب الاحتجاجات، لتصبح أداة للقمع.
يقول أحد سكان مصراتة الشباب، والذي طلب عدم ذكر اسمه خوفاً من عمليات انتقامية: "في العام الماضي تلقيت تهديدات بالقتل بعد أن كتبت رسالة عامة على الفيسبوك، وانتقدت فيها القتال بين الميليشيات." وأضاف: "إنني أكره ما يحدث هنا. لماذا يفعلون هذا؟ كيف يستطيعون رفع السلاح ضد رجال كان إخوانهم في الثورة؟"
الآن، تحولت مدينة بنغازي الشرقية "عاصمة الثورة" وحيث خرجت أول الاحتجاجات المعادية للقذافي في العام 2011، لتصبح مكاناً زئبقياً خطيراً. ومن بين القتلى فيها ليبراليون ونشطاء في جماعات ضغط، بالإضافة إلى ضحايا من المنادين بالفيدرالية الذين يريدون فصل الشرق عن الغرب.
في آب (أغسطس) الماضي، أحكمت حركة "فجر ليبيا"، ائتلاف الميليشيات الذي يضم إسلاميين، سيطرتها على العاصمة طرابلس، مرغمة جماعة البرلمان على الهرب إلى طبرق. وهناك، تحالف البرلمانيون مع خليفة حفتر، الجنرال السابق في جيش القذافي والذي كان قد عمل في السابق مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه). وبعد تجميعه ائتلافه العريض الخاص الذي يضم عدداً ضخماً من الجنود من النظام القديم، أعلن حفتر الحرب على فجر ليبيا -الذي شجبه ووصفه بأنه فرقة من الإرهابيين. وبينما تنتشر الفوضى في ليبيا بين ظهراني هذين الفصيلين المتحاربين، أصبحت حرية التعبير والرأي تُدفع إلى ما تحت الأرض أكثر فأكثر.
في أوقات النهار، ثمة مظهر مخادع للحياة العادية يلف العاصمة. هناك ترى الحوانيت، بما فيها تلك التي تحمل أسماء ماركات دولية، مثل مانغو وماركس وسبنسر، مشرعة الأبواب. وثمة اختناقات في حركة السير. وتتبادل فتيات ليبيا الحضريات أطراف الحديث وهن يحتسين الكابوتشينو في واحدة من دور المقاهي في المدينة. كما تشاهد رجالاً يرتدون ملابس مدنية يقودون سيارات الشرطة، وجنوداً في عربات شحن صغيرة "بيكبات" يرتدون أزياء رسمية غير متطابقة وهم يطبقون القانون. ويقول النقيب مراد البالغ من العمر 40 عاماً، قائد كتيبة النواصي، وهي واحدة من أكبر المليشيات العاملة في قوة حركة فجر ليبيا في طرابلس: "نحن هنا من أجل الأمن... رجالنا يجوبون الشوارع. ونحن نوقف الجريمة".
في إحدى ليالي الخميس الأخيرة -بداية عطلة نهاية الأسبوع في ليبيا- انضممت إلى كتيبة النواصي في دورية. وأقام رجال الميليشيات، وهم يضعون أقنعة خضراء لإخفاء وجوههم، نقاط تفتيش طيارة. وقاموا بسحب سيارات لا تحمل تراخيص أرقام للتأكد مما إذا كانت مسروقة. وفتشوا المقاعد والأحذية بحثاً عن مخدرات.
كل ذلك بدا قابل للاعتراض عليه. لكن سكاناً قالوا لي أنه بالإضافة إلى وقف الجرائم البسيطة، تستخدم الميليشيات سلطتها لتدمير المعارضين. ففي الشهر الماضي في طرابلس، وجدت جثة الناشطة السياسية انتصار حساري، ملقاة في صندوق سيارتها. وقال لي مدعون حكوميون في طرابلس أنها كانت قد قتلت "في نزاع عائلي بسيط". ويجوز أن تكون هذه هي القضية. لكن في الأيام التي تلت مقتلها، اختفى رجل الشرطة الذي كان قد رفع البصمات من مسرح الجريمة. وكان صديق الآنسة حساري قد هرب من البلد. وأسر لي بأن عائلتها كانت خائفة جداً من التحدث.
ثمة إحساس بالخوف يكاد يختفي بالكاد تحت السطح في ليبيا اليوم. ويتساءل مراد، المهندس المدني الناشط، والذي كان يتلفت حوله متوتراً في دارة المقهى في طرابلس: "هل أنت متأكد من أن أحداً لم يتعقبك؟" وتنهد الشاب وأشعل سيجارة. وشرح لي مراد الذي تحدث مستخدما اسماً مستعاراً كيف أنه كان جزءاً من مجموعة مؤيدة للديمقراطية، والتي كانت تفضل منذ العام 2012 قتال الفصائل على تسوية النقاش من خلال صناديق الاقتراع: "إن حرية التعبير هي الخوف الكبير بالنسبة لفجر ليبيا. ولعلمك، إنني لو كنت في الجانب الآخر (في شرق ليبيا) لكنت قد خفت أيضاً من الميليشيات هناك أيضاً".
مع ذلك، بعد اندلاع الأعمال العدائية بين حفتر وفجر ليبيا، أصبح عمله مستحيلاً. وقال: "لو انتقدت الفجر يتهمونك بأنك مع حفتر، والعكس بالعكس".
هذه الفوضى العارمة، والتهديدات الحاضرة دائماً، دفعت بالآلاف إلى المنفى. وليست خديجة التي كانت تنظر بتوتر من خلال نافذة الطائرة التي تلقها إلى الوطن لحضور جنازة عمها، سوى واحدة فقط من هؤلاء الليبيين. وكانت خديجة قد هربت من ليبيا في العام 2013. كما أن العديد من زملاء مراد قد غادروا البلد أيضاً مجبرين، بسبب النزعة الفصائلية والعصابات التي جلبت بلدهم إلى شفا حرب أهلية.
يقول مراد: "يقول هؤلاء الناس أنهم يفعلون هذا لإبقائنا آمنين ولحماية الثورة من مؤيدي القذافي. لكن أربعة أعوام مضت وانتهى القذافي. والقصة هي أن كل طرف يريد أن يحصل على ما يستطيع تحصيله من الأموال. الخيارات راهناً هي إما الحكم العسكري مثلما كان في السابق -أو الفوضى العارمة. لقد وصلت إلى النقطة التي أريد معها بلداً مستقراً. الديمقراطية تبدو بعيدة جداً عن أن نصل إليها".

 abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Special report from Libya: How Nato's toppling of Gaddafi has turned to disaster

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وطن يتمزق (هاني سعيد)

    السبت 21 آذار / مارس 2015.
    ان مما يؤسف له انه كيف يتحول الشباب الثوري الى عملاء ومصاصي دماء للشعوب وهدا ما حصل مع القدافي الدي كان يعتبر نفسه تلميدا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر ولكنه تحول الى وحش في نهاية المطاف فترك البلد بدون مؤسسات وبدون أسس تسير على نهج سليم التهى بملداته وعربدته كما كنا نقرا عن السلاطين السابقين فضاعت ليبيا في زمانه وبعد رحيله وعمت الفوضى في البلاد وكان لمن خططوا الى هدا البلد ما أرادوا من الفوضى والاضطرابات والانقسام رغم اننا كنا نسمع لاحاديث الشباب اثناء الثورة وعن تحدثهم عن معاناة شعب ليبيا خلال فترة ما كانوا يسمونه الطاغية وضاعت ليبيا كما ضاعت العراق وغيرها من البلاد العربية نسال الله ان يعيدنا الى شاطئ الأمان مرة أخرى وان يعود الاستقرار الى بلاد المسلمين آمين
  • »ديمقراطيه (سهيل ملكاوي)

    السبت 21 آذار / مارس 2015.
    ديمقراطية كراسي ولا فرق يذكر عن ديمقراطية الدكتاتور السابق