هل كانت سورية "فيتنام" حزب الله؟ الحرب ربما تجعل المجموعة أقوى

تم نشره في الثلاثاء 24 آذار / مارس 2015. 12:00 صباحاً
  • أنصار حزب الله يطلقون الألعاب النارية أمام صورة لزعيمه حسن نصر الله – (أرشيفية)

نيكولاس بلانفورد - (كرستيان سينس مونيتور) 12/3/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بيروت، لبنان- عندما أكد الشيخ حسن نصر الله على الملأ، في أيار (مايو) 2013، الأنباء التي تحدثت عن تدخل حزب الله في حرب سورية الأهلية الدموية، كانت المجموعة المسلحة المدعومة إيرانية منخرطة في معركة كبيرة أسفرت عن أعلى معدل للخسائر التي شهدها الحزب على الإطلاق.
كان هجوم حزب الله على بلدة القصير التي كان يسيطر عليها الثوار بالقرب من حمص، هو أول اشتباك جدي للمجموعة في الصراع السوري، والذي شهد مقتل العشرات من مقاتليها في غضون 17 يوماً فقط من حرب العصابات التي خيضت من شارع إلى آخر.
في ذلك الحين، قاد العدد الكبير للقتلى وتأثير الجنازات الكثيرة عبر المناطق الشيعية من لبنان بعض المراقبين إلى التنبؤ بأن حزب الله قد دخل، بقدومه لنجدة حليفه المأزوم بشار الأسد، في "فيتنامه" الخاص -في صراع منهك من دون استراتيجية رئيسية للخروج، والذي يمكن أن يضر بموقفه الذي يحظى بالشعبية عبر منطقة الشرق الأوسط باعتباره العدو القوي لإسرائيل.
في ذلك الوقت، قال ميشيل معوض، السياسي اللبناني المسيحي المعارض لحزب الله: "سوف تكون المعركة في القصير بمثابة فيتنام حزب الله، وستكون لها تداعيات على لبنان كله".
مع ذلك، وبعد ما يقارب السنتين، لم تتحقق تلك التنبؤات. وفي حقيقة الأمر، ورغم تعرضه لخسائر فادحة ومواجهته غضب السنة في المنطقة، اكتسب حزب الله مجموعة من المهارات القتالية الجديدة في سورية. وفي حين ضمن الحزب للرئيس الأسد استمرار البقاء، فإن جيلاً من المجندين الجدد تعمدوا بالدماء في المعركة، وهو ما قد يجعل من المنظمة تهديداً أكبر لعدوها اللدود، إسرائيل، في أي مواجهات مستقبلية.
وبالإضافة إلى ذلك، تبدو حتى الانتقادات الداخلية حول تورط حزب الله في سورية وأنها خفتت في الفترة الأخيرة، فيما جاء في جزء منه كرد فعل على صعود الجماعات السنية المتطرفة، مثل المجموعة التي تسمي نفسها "الدولة الإسلامية"، والتي تعيث فساداً في مناطق تمتد عبر العراق وسورية، وترسل فظاعاتها المصورة بالفيديو قشعريرة جماعية في أطراف أقليات لبنان الدينية.
يقول مايكل يونغ، محلل الشأن اللبناني الذي كتب عموداً في حزيران (يونيو) 2013 يتساءل فيه عما إذا كان يمكن أن تكون سورية بمثالة "فيتنام" حزب الله: "إنك عندما تشير إلى فيتنام، فإن ذلك يعني أن يعلق المرء في مستقنع. إن ما يدور في سورية هو قتال طاحن، لا شك في ذلك. لكنه ليس مستنقعاً (بالنسبة لحزب الله)".
القيمة الاستراتيجية لسورية
تشكل سورية المحور الجيوسياسي الذي يصل بين حزب الله وبين راعيه الإيديولوجي واللوجستي، إيران، وتوفر عمقاً استراتيجياً لصراعه ضد إسرائيل. كما أنها تشكل أيضاً ممراً لتدفق الأسلحة إلى ترسانة حزب الله. ومن المرجح أن يفضي سقوط الأسد إلى تفكيك التحالف الإقليمي المعروف باسم "محور المقاومة"، الذي يضم كلاً من إيران، وسورية، وحزب الله، ومنظمات متشددة أخرى معارضة لإسرائيل والسياسات الغربية في الشرق الأوسط.
أوضح زعيم حزب الله، السيد حسن "نصر الله (في العام 2013) أن الحفاظ على النظام السوري ومحور المقاومة هو شأن استراتيجي وحاسم بالنسبة لحزب الله"، كما يقول جيفري وايت، زميل دراسات الدفاع في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. ويضيف وايت: "لقد كان هذا التعريف للوضع ومخاطره هو الذي أنتج التزام حزب الله، والذي يرجح أن يبقي عليه رغم التكاليف... إن الفرق بين هذا الشأن وبين فيتنام هو أن (سورية) تشكل منطقة استراتيجية حقاً... بالنسبة لحزب الله".
يقدر أن نحو 5.000 مقاتل من حزب الله على الأقل يعملون في سورية في أي وقت. وهم يشكلون رأس الحربة في معارك مختلفة في مختلف أنحاء البلد، امتداداً من الحسكة في الشمال الشرقي، إلى حلب في الشمال، إلى اللاذقية في الشمال الغربي، إلى دمشق وضواحيها ودرعا في الجنوب.
في الوقت الحالي، يحتفظ حزب الله وحلفاؤه باليد العليا في سورية. فقد أصبح الجيش السوري الحر الثوري المعتدل يذوي في مواجهة تلاشي الدعم الأجنبي وهجمات نظام الأسد والمجموعات المتطرفة مثل "الدولة الإسلامية". كما تحول المجتمع الدولي من مناقشة ما إذا كان ينبغي إسقاط الأسد إلى القلق بشأن صعود مجموعة "الدولة الإسلامية".
ثمن باهظ
مع ذلك، دفع حزب الله ثمناً باهظاً في هذا الصراع. فمنذ إرساله أوائل المقاتلين إلى سورية في صيف العام 2012، خسر الحزب ما قد يزيد قليلاً على 1.000 مقاتل. وحتى نضع هذا الرقم في السياق، فإن خسائر الحزب في سورية خلال ما يقرب من ثلاث سنوات، تقترب من حصيلة خسائره الرسمية البالغة نحو 1.284 من الذين قتلوا وهم يحاربون الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان في كامل الفترة بين الأعوام 1982 و2000.
بالإضافة إلى ذلك، كان نصر الله قد حظي بالإشادة والإطراء ذات مرة في استطلاعات الرأي الإقليمية باعتباره الزعيم الأكثر إثارة للإعجاب في العالم العربي كله. لكن معظم السنة أصبحوا يلعنون حزبه الآن، ويصفونه بأنه "حزب الشيطان"، في لعب على اسم المنظمة: "حزب الله".
تقول رندة سليم، الخبيرة في شؤون حزب الله في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: "لقد أريق الكثير جداً من الدماء، وفُقدت الكثير من الأرواح، وحل الكثير من مشاعر عدم الثقة، وسوف يكون من الصعب جداً على حزب الله أن يعيد تأهيل صورته لدى الغالبية العظمى من الشارع السني السوري".
ثمة القليل من الإشارات على أن إيران، التي سيطرت على الصراع من أجل المحافظة على نظام الأسد، باتت مستعدة لتقديم أي ورقة توت للمعارضة السورية، والتي يمكن أن تنقذ العلاقات المتدهورة بين السنة والشيعة. على العكس من ذلك، ضاعفت إيران في الأشهر الأخيرة من تأكيد التزامها تجاه الأسد، من خلال بناء ميليشيات سورية عدة "على غرار حزب الله"، ونشر وحدات من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية من العراق، وأفغانستان، وباكستان.
دعم رئيسي للمكاسب الإيرانية
في الأسبوع الماضي، قال حسين الحمداني، الضابط الرفيع في الحرس الثوري الإيراني، لوكالة الأنباء الإيرانية "راسا": "لقد حرر القادة العسكريون الإيرانيون 85 في المائة من الأراضي السورية التي كانت تسيطر عليها المعارضة سابقاً، في وقت كان الأسد قد قبل فيه الهزيمة".
يعترف مسؤولون إيرانيون بالدور الحيوي الذي لعبه حزب الله في السماح للجمهورية الإسلامية بكسب مستويات جديدة من النفوذ عبر مناطق سورية كافة، وكذلك في بؤر التوتر الأخرى في الشرق الأوسط، مثل العراق واليمن وغزة.
يقول فيليب سميث، الباحث في جامعة ميريلاند، ومؤسس موقع "مسيرة حزب الله"، الذي يركز على النزعة العسكرية الشيعية في الشرق الأوسط: "إن هذا يشكل تقدماً كبيراً بالنسبة لهم (الإيرانيون). إنه تقدم عملاق. هل تستطيع أن تتخيلهم وهم يحوزون على هذا القدر الكبير من السيطرة في سورية قبل بضع سنوات من حدوث هذه الأزمة؟".
هناك مفارقة مخصوصة في ربط حزب الله بالوقوع في مستنقع على غرار فيتنام. في أواخر التسعينيات، تم تطبيق مجاز فيتنام على الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي في جنوب لبنان. وهناك، تعرضت القوات الإسرائيلية لهجوم شبه يومي من مقاتلي حزب الله المسلح تسليحاً خفيفاً، ثم انسحبت أخيراً في شهر أيار (مايو) من العام 2000.
مع ذلك، ربما كانت مثل هذه المقارنات بفيتنام مضللة حينذاك بالنسبة لإسرائيل كما هو حالها اليوم مع حزب الله. إن واشنطن تبعد 8.300 كيلومتر عن هانوي، لكن المسؤولين الإسرائيليين اعتادوا الإشارة إلى أن القرى الشيعة الداعمة لحزب الله في جنوب لبنان تقع على بعد أقل من ميل واحد من مجتمعات الحدود الإسرائيلية.
دعم القاعدة الشيعية
استخدم نصر الله نفس حجة قرب العدو نفسها لتبرير تدخل حزب الله في سورية. وقال في خطابه الذي ألقاه في أيار (مايو) 2013: "إذا تمكنت تلك المجموعات (السنية المتطرفة) من السيطرة خصوصاً على (المناطق) المتاخمة للحدود اللبنانية، فإنها ستشكل خطراً على اللبنانيين، من المسلمين والمسيحيين على حد سواء".
هذه الحجة ساعدت حزب الله على ضمان دعم قاعدته الشيعية لمغامرته السورية، رغم رد الفعل العنيف الذي شهده العام الماضي في شكل التفجيرات الانتحارية الكثيرة داخل المناطق اللبنانية التي يقطنها الشيعة، والتي خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى. بل إن بعض المسيحيين أنفسهم كتموا انتقاداتهم لحزب الله، بينما ينظرون إلى التهديد الذي يشكله تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي يمتلك معقلاً في الحدود الشمالية الشرقية للبنان، باعتباره أسوأ من تداعيات تدخل حزب الله في سورية.
في القرى الشيعية الواقعة في جنوب لبنان ووادي البقاع، تتعلق صور زاهية الألوان لأولئك "الشهداء" الذين قتلوا في الحرب السورية إلى جانب صور نظرائهم التي أبلت ألوانها الشمس من الذين قتلوا في المعارك السابقة ضد إسرائيل. وبالنسبة لأعضاء حزب الله، ليس هناك فرق بين العدو الذي قاتلوه ذات مرة في جنوب لبنان وبين القوى التي يواجهونها اليوم في سورية.
يقول مختار قرية في جنوب لبنان، والعضو في منظمة حزب الله: "إننا لا نفرق بين القتال ضد التكفيريين وبين القتال ضد إسرائيل". ويستخدم مصطلح "التكفيريين" لوصف المتطرفين السنة الذين يعتبرون كل الذين يشاركونهم تفسيرهم الحرفي المتطرف للإسلام كفاراً. ويضيف المختار: "ليست سورية فيتناماً بالنسبة لنا. إن إسرائيل تدعم التكفيريين لمحاولة إضعافنا، لكنهم في الحقيقة يجعلوننا أقوى".
إسرائيل تلاحظ
لقد وسع حزب الله بما لا يقبل الشك مهارات أعضائه القتالية في سورية؛ حيث يتعلمون القتال في طيف واسع من البيئات، من الجبال المقفرة المعزولة إلى المناطق المزروعة والأحياء الضيقة المقطونة بكثافة داخل المدن. ولم تذهب هذه المكاسب التي يحققها حزب الله في خبرة ميادين المعارك بدون أن تلاحظها إسرائيل.
في أيلول (سبتمبر) الماضي، قال ضابط إسرائيلي رفيع مجهول الاسم، والذي يتم اقتباسه على نطاق واسع في الإعلام الإسرائيلي "إن قادة حزب الله يتعلمون كيفية التحكم بالمقاتلين، وتنسيق الاستخبارات، واستخدام قوة النيران، وأساليب القيادة والسيطرة".
وفي المقابل، يعتقد أبو علي، المقاتل المخضرم في حزب الله، والذي خدم جولات عدة في سورية، أن مشاركة المنظمة في سورية جعلتها أقوى بكثير. ويقول متحدثاً عشية ذهابه في عملية نشر جديدة لمقاتلي الحزب في سورية: "بعد القصير، لم يعد يهم إلى أين يرسلوننا. لقد تدربنا على كل شيء".
مع ذلك، لا يتوقع أبو علي أن يصل الصراع إلى نهاية في أي وقت قريب. ويقول: "سوف أذهب هناك لعدة سنوات أخرى. لكن ذلك ليس مشكلة بالنسبة لنا، لأننا نحقق الفوز هناك".

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Syria as Vietnam? Why the war could be making Hezbollah stronger

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق