عيسى الشعيبي

العاصفة السعودية

تم نشره في الجمعة 27 آذار / مارس 2015. 12:04 صباحاً

من دون أدنى تقليل من وزن المشاركات العربية في الحملة الجوية على مواقع الحوثيين في عموم اليمن، فإنه يمكن تسمية هذه المبادرة العسكرية المسماة "عاصفة الحزم"، بأنها عاصفة سعودية لا سابق لها في تاريخ المملكة؛ ليس بسبب حجم القوة الضاربة ووزنها النوعي وتولي المسؤولية عنها فقط، وإنما لأن التنسيق لها، ومن ثم إطلاقها على هذا النحو المدوي في أربع جهات الشرق الأوسط، كان عملاً سعودياً في مبناه ومغزاه، وفي تكوينه، بل وما كان له أن يتم بهذه الدرجة لو لم تكن الرياض هي صاحبة الإرادة والمبادرة والقائدة، والمسؤولة الأولى، فوق أنها مؤلفة نص الرسائل الواضحة والمفتوحة من وراء هذه الضربة النوعية.
وبهذه العملية العسكرية الواسعة، الكبيرة والممتدة إلى أجل غير محدد، تكون المملكة الغنية الكبيرة، وذات المكانة الروحية والوزن المرجح في سائر القرارات العربية، قد غادرت إلى الأبد وضعية الترقب والحذر، ناهيك عن التحسب، والتي اتسمت بها السياسات السعودية طوال العقود الطويلة الماضية، لتدخل من الآن فصاعداً مرحلة الحزم؛ الهجوم وأخذ الزمام بجدارة، وسط ما يشبه الإجماع من جانب الدول العربية "غير الممانعة" على أهلية السعودية غير المنقوصة، لقيادة زمن ما بعد سقوط شعارات التضامن العربي الفارغة.
لقد أعلنت السعودية على رؤوس الأشهاد، قبل أيام قليلة فقط، أن أمن اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي كل لا يتجزأ، وأنها لن تظل مكتوفة الأيدي إذا ما واصل الحوثيون، ومن لف لفهم، عملية الاستيلاء على السلطة. الأمر الذي لم يعد في وسع الرياض معه تناسي تحذيرها، والتضحية بمصداقية خطابها، والانكماش على نفسها تحت أي ذريعة، بعد أن تجاوز الحوثيون كل الخطوط الحمراء، وأطبقوا على عدن ومضيق باب المندب. وهو موقف كان من شأنه إلحاق ضررغير قابل للإصلاح، فيما لو لم تبادر السعودية للدفاع عن سمعتها، وعن مكانتها، فضلاً عن مبرر امتلاكها لأحدث الأسلحة، وفوق ذلك الدفاع عن حاضرها ومستقبلها.
وإذا كان هذا العمل العسكري النوعي المنسق جيداً، وهو الأول من نوعه من دون مشاركة أميركية على الأرض، يستهدف الجماعة الحوثية أساساً، وحليفها علي عبدالله صالح بصورة مباشرة، فإنه يخاطب بالضرورة الموضوعية المشروع الإمبراطوري التوسعي الإيراني في المنطقة، بهجوم مضاد، من المقدر له أن يكسر إحدى أذرع طهران في المشرق العربي، وأن يضع حداً لتغول الملالي على هذه الأمة، واستخفافهم الشديد بشعوبها، لاسيما بعد أن تحدثوا بإفراط شديد عن عودة حكم كسرى إلى العراق، وانخرطوا على نحو سافر في الحرب على العراق وسورية.
وأحسب أن العالم العربي المصاب بداء الخذلان والضعف والانقسام المديد، سوف يكون بعد هذه العملية العسكرية المدغدغة لمشاعر الملايين المحبطة، غير ما كان عليه قبلها، من يأس طام عام؛ وأن الحديث عن قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب، والذي كان مجرد سحابة صيف عابرة، قد اكتسب الآن كثيراً من الأرجحية، وبات ممكناً وفي متناول اليد أكثر من ذي قبل، إن لم يكن قد أصبح قيد التحقق فعلاً لا مجرد قول، لاسيما أن هذا العمل العسكري الاستثنائي جاء في وقته الملائم تماماً، عشية عقد قمة عربية عادية، كانت ستصدر بياناً مشتركاً لا يغني ولا يسمن من جوع، على نحو ما كانت عليه القمم العربية طوال السنوات الماضية.
وإذا كانت هذه المقاربة المتفائلة في محلها حقاً، وكان هذا العمل العسكري الذي تشارك فيه نحو عشر دول عربية، يدشن مرحلة جديدة في حياة الأمة الممتلئة بخيبات أمل لا حصر لها، فإن من شأن ذلك أن يخلق موجة عارمة من الأمل والثقة بالنفس، نحن أشد ما نكون حاجة لها؛ وأن يرسي في الوقت ذاته حجر أساس متين لعمل عربي مشترك مختلف عما كانت عليه الحال في السابق؛ وأن يؤدي ذلك كله إلى استرداد فاعلية العالم العربي بعد سبات طويل، وقد يفضي إلى إعادة التوازن في علاقات القوة التي اختلت بشدة لصالح لاعبين إقليميين، استمرأوا الاعتماد على خفة الوزن العربي في معادلاتهم، وصدقوا أن العرب مجرد ظاهرة صوتية.

التعليق