عيسى الشعيبي

عاصفة تنذر بوقوع إعصار

تم نشره في الثلاثاء 31 آذار / مارس 2015. 12:05 صباحاً

يجدر بنا، ونحن نحاول فهم "ديناميات" العملية الجوية التي تقودها الرياض ضد الانقلاب الحوثي، وتقويم وزن مختلف الاعتبارات والمقاصد والدوافع المحركة لها، أن ننظر بإمعان إلى مسرح العمليات الأوسع نطاقاً من حدود الرقعة اليمنية، ومن ثم الإحاطة بسائر الأبعاد المترامية الأطراف لهذا التحول السعودي الدراماتيكي غير المسبوق في التعاطي مع الأزمات العديدة الناشبة في محيط المملكة الكبيرة؛ لجلاء بواطن قوة الدفع المضافة داخل عربة القاطرة السعودية المحدثة، واستشراف مغزى ما تنطوي عليه هذه الاستدارة المفاجئة، من طور التروي وطول البال والحذر الشديد، إلى فضاء المبادرة الهجومية الجسورة، وأخذ المخاطر المحسوبة برصانة.
أحسب أن القيادة  الجديدة في السعودية، هي المسؤولة عن صناعة هذا التحول، وعن تجديد السياسات التقليدية بروح قتالية، وعن تحديث رؤية المملكة الغنية لصورتها الخارجية ومواضع قوتها الذاتية، لمكانتها النافذة ودورها الإقليمي المقرر. الأمر الذي مكن هذه الدماء الشابة، وبسرعة قياسية، من تطويب زعامة "السعودية" في المنطقة، وانتزاع زمام القرار العربي المركزي بلا منازع، إن لم نقل إن هذا الزمام سعى إليهم، أكثر مما سعوا إليه بتؤدة.
على خلفية هذه الصورة المتكونة، لتوها، في البلد الأكثر تأهيلاً لقيادة هذه المرحلة العربية المتهافتة، يمكن فهم لباب هذه المفاجأة السعودية الاستراتيجية؛ ليس إزاء انقلاب جماعة يمنية أقلوية مغامرة، ذات عقلية قروسطوية، وإنما إزاء تمدد مشروع إمبراطوري إيراني فج، تموضع مؤخرا في الحديقة الخلفية لأكثر ديار العرب قداسة وثراء وأهمية. الأمر الذي بدا فيه هذا المتغير السعودي المفاجئ بكل المعايير، بمثابة خطاب موجه من دون تشفير، ليس لـ"قم" الصغيرة في صعدة، وإنما لـ"قم" الكبيرة، التي ملأت كأس العرب مهانة، حين زعمت أنها تقبض الآن على مفاتيح العاصمة العربية الرابعة.
لقد رمت طهران بقفاز التحدي أمام العرب منذ سنوات طويلة، من لبنان إلى العراق وسورية وغزة، وأخيراً في اليمن، من دون أن تجد بيننا من يرد لها "التحية". وأسهمت عبر استفزازاتها الفظة، وتدخلاتها ذات النفس المذهبي المسيّس، في زعزعة العالم العربي أكثر فأكثر، وتقويض أمنه بصورة منهجية، مما أيقظ الفتنة النائمة منذ 1400 سنة، وأدى إلى خلق البيئة المواتية لنشوء أعتى الظواهر الإرهابية، كي يواصل نظام الملالي توسيع نطاق تدخلاته العسكرية السافرة، تارة باسم الدفاع عن المقامات والأضرحة، وطورا باسم الحرب على "التكفيريين" الجدد.
والحق أن العرب الذين أسهم صب الزيت الإيراني في تأجيج لهيب حرائقهم الداخلية المشتعلة، لم يحسنوا إدارة أزماتهم الذاتية، ولم يعوا مخاطر توغل العامل المذهبي في شؤونهم البينية، حيث بدت الأرض العربية بلا نواطير، والمدى مستباح لكل الطيور الجوارح. الأمر الذي شجع آيات الله، وعزز لديهم نزعة التوسع لملء الفراغ، واستعادة مجد الزمان الفارسي الغابر، فكان لا بد مما ليس منه بد في نهاية هذا المطاف الطويل، بوضع نقطة كبيرة في آخر سطر خطاب العجرفة والتبجح الإيراني المديد، وذلك على نحو ما شرعت به القيادة السعودية، بقطع أول أذرع هذا الأخطبوط البرمائي الزاحف.
بمثل هذه القراءة، التي قد تنطوي على شيء من الرغائبية، يمكن النظر إلى العملية الجوية العربية المتواصلة، التي تقودها السعودية بكفاءة واقتدار، وحسن تقدير للموقف بكل أبعاده واحتمالاته الممكنة، على أنها مفاجأة استراتيجية حقاً، تستدرك فيها هذه الأمة الكثير من أوجه قصورها السابقة، وتسترد عبرها قدراً كبيراً من اعتبار الآخرين لها، واحترامهم لمصالحها. وقد تتمكن بعد قطع دابر التمدد الإيراني في اليمن، من بتر ذراعه المصابة بالإعياء في سورية، ورد "رجله" في لبنان، وتسوية الحساب معه في العراق، ولو بعد حين. وهو أمر بات في متناول اليد، إذا ما حسن التحالف العربي العشري أداءه، وأسس لقوة عربية مشتركة فاعلة في هذه اللحظة التاريخية المواتية.
إزاء ذلك كله، فإن لنا أن نقرأ هبوب رياح "عاصفة الحزم"، التي رفعت المعنويات والتوقعات العربية، على أنها العاصفة التي تنذر الأعداء والمتربصين بقرب وقوع إعصار عات، أو ربما سلسلة متواصلة من الأعاصير المفاجئة.

التعليق