وادي رم: دهشة 1916

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً

أيهم العتوم

على صوت صهيل الأصايل ووثبها، ورمال الصحراء وغبارها، كانت صرخات الفرسان تدوي في الجبال التي تحيطنا. فيما يقترب الفرسان والهجانة نحونا ونحن على متن القطار، يحملون بأيديهم علم الثورة العربية الكبرى. ولنعيش تجربة تحاكي تلك الفترة الزمنية خلال جولة سياحية صبيحة يوم الجمعة 20 آذار (مارس) الماضي، في الرحلة رقم 1916  بوادي رم.
انطلقنا في رحلة أشبه بقصة تاريخية تروي ملحمة بطولة تدور أحداثها في قلب الصحراء الأردنية؛ في وادي رم، ولتعود بِنَا إلى إحياء إرث وتضحيات الآباء والأجداد.
مشاعري كانت في ذلك اليوم معتقة بحب وطن تفوح منه رائحة الياسمين، وتداعبه حبيبات مطر تكمل مشهدية فارس بدوي بانتظار عشيقته، ترد عين الماء في ما بات اليوم "الدوار السابع".
بدأت رحلتنا بهمسات وضحكات صباحية، مع مجموعة من النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، اجتمعنا في الرحلة التي نظمتها الشركة الأردنية لإحياء التراث؛ إحدى شركات صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة، ضمن برامج الهيئة للترويج للمواقع السياحية.
وإذ يقول المثل إن "أول الغيث قطرة"، إلا أنه في رحلتنا كان أول الغيث "سيلفي"! لنعلن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أننا نتوجه لنشاهد قصة انتصار تحمل عنوان "رحلة عبر 1916".
وقد بذل جميع الناشطين ما أوتوا من قوة "انستغرامية" و"فيسبوكية" و"تويترية" للحديث عن الرحلة، وليكونوا بذلك رديفاً يدعم السياحة في الأردن، من خلال تسويقها إلكترونيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فكان الجميع منهمكاً بأفكاره، يخبر متابعيه بما تيسر عن أجواء الطريق. في حين كان سائق الباص يتطلع نحو أفق الطريق الصحراوي؛ ولا أدري لماذا شعرت أن الباص سفينة صحراء، وبت أنظر إلى كل الأماكن "بعين الباحث عن الحنين".
في منتصف الرحلة، وتحديدا في القطرانة، كان لا بد من استراحة المحب وتجاذبت أطراف الحديث مع نائب مدير عام الشركة مؤيد أبو رمان، الذي حدثني كيف أنه انطلاقا من الرؤية الملكية السامية لتطوير القطاع السياحي في المملكة، تم تأسيس الشركة التي قام صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية بدعمها في العام 2010.
ما نزال في الثلث الأخير من اللهفة في سفينة الصحراء، لنقترب من الوصول إلى حيث قلوبنا تتعلق على أعالي رم وجبالها؛ هناك حيث قمر يتلألأ، وسماء فسيفساؤها نجوم تنير درب السياحة العالمية للأردن.
عندما وصلنا رم، تأملت طويلا في لون رمال الصحراء الناعمة، وثناياها وتعرجاتها التي تخط قصة تاريخ خالد، يقول "سجل أنا بدوي". وقد انتشيت بهذا الشعور الناجم عن منتج سياحي فريد، يجسد الأردن كخيل عربي أصيل مزركش بما يزيد على 20 ألف موقع سياحي.
أول محطة لنا كانت على هدير صوت قطار سكة حديد الحجاز. وما لفتني هو الجبال من حولنا؛ فمن الشرق رأيت صقراً يحوم، تتبعته كقناص صحراوي متمرس، وإذ بي ألمح الهجانة والفرسان بلباس الثورة العربية الكبرى فوق خيولهم وجمالهم لثوان، ولألتقي في تلك اللحظة مع نفسي وجها لوجه.
ذهبنا بالقطار لمسافة 15 كم والجميع مندهش. وازددنا دهشة عندما رأينا الجنود الذين يرتدون أزياء الجيش العثماني من الفترة الزمنية 1916، والتي تحمل اسم هذه الرحلة، لتشكل قصة تاريخ مرئي في العام 2015.
انشغل الجميع بالقطار وما حوله من تضاريس؛ تارة بالتأمل، وتارة أخرى بالتقاط الصور. وفي منتصف الطريق، أذكر تلك اللحظة التي ميزتها عمودية الشمس التي تداعب الصحراء.
استوقفت القطار مجموعة من الفرسان والهجانة، ليبدأ سرد استعراضي يجسد بعض أحداث الثورة العربية الكبرى. وقام الهجانة بإنزال البعض من القطار، وكنت لحسن حظي واحدا منهم.
انتقلنا من القطار إلى العربات القديمة التي يرافقها الفرسان بلباس الثورة العربية الكبرى، ولينقلونا إلى بيت شعر. فعاد بي الزمن إلى ما قبل مولدي، لكنني ولدت مشهديا على صوت صهيل الخيول، ووجوه فرسان أنعشها حب البداوة.
المشهد التمثيلي يتحدث عن "قضوة عشائرية" مكتملة العناصر، تجسد موروثنا الثقافي. فكنت أنا من ضمن المأسورين عند "عمي الشيخ"، وجاء البقية للتفاوض. لحظتها، تيقنت أنني سأخرج من احتباس الكلمة الصحفية وصرخ اللاواعي في داخلي: "يا عمي الشيخ.. يا عمي الشيخ"، وهو يتحدث: اقعد أنت أسير.
شاهدنا، نحن ونشطاء التواصل الاجتماعي من جنسيات دولية، كيف كانت "القضوة العشائرية" في تلك الفترة، وما هي العادات والتقاليد التي يمارسها البدو ليجسدوا زمن الحكاية وحكاية الزمن.
انتهى المشهد. لكنه لم يزل في الذاكرة بومضات أكدها العمل المؤسسي والكادر المتفاني القائم على هذا المشروع الذي يتحدث عن نفسه ويقول: "أنا هنا في وادي رم" انتظر زيارتكم.
يذكر أن هذه القصة تندرج ضمن مشروع صحفي لدعم وتشجيع السياحة في الأردن، قد نتحدث عنه لاحقا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Al-Ayasrah (Ali)

    السبت 4 نيسان / أبريل 2015.
    مقال جميل جداً
    كل حرف بل كل حركه بل كل كلمه تروي الماضي وجماله وادي رم ويسمى ايضا وادي القمر نظرا لتشابه تضاريسه مع تضاريس القمر
    ابداع ...
  • »متعة (سامي الحربي)

    الخميس 2 نيسان / أبريل 2015.
    مقال جميل يحاكي أردنيتك الحقيقية