إبراهيم غرايبة

الإخوان المسلمون في طور جديد

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2015. 12:07 صباحاً

تمنح مبادرة التصويب القانوني لوجود وتنظيم عمل جماعة الإخوان المسلمين، فرصة كبرى للإخوان أنفسهم، جميعهم؛ مهما كانت تياراتهم واختلافاتهم، ليعيدوا تشكيل أنفسهم وطريقة عملهم.
وكان يجب على "الإخوان" أنفسهم أن يبادروا إلى ذلك منذ العام 1989. ثم نشأت تحديات ومناسبات عدة تفرض أن يعيد "الإخوان" تشكيل أنفسهم، وحسم كثير من المسائل المتعلقة بعملهم وعلاقاتهم وتنظيمهم لأنفسهم؛ مثل تأسيس حركة حماس (1987)، وانتقال مكاتبها السياسية والإعلامية للعمل في عمان (1992)؛ وصدور قانون الأحزاب (1993)؛ وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة الأردنية و"حماس" (1999)؛ وأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001؛ ومسألة جمعية المركز الإسلامي (2006)؛ و"الربيع العربي" (2011)؛ وأخيرا سلسلة الأحداث ومتوالياتها منذ صيف 2013. ففي كل هذه الأحداث، كانت تتشكل محطات وموجبات لإعادة النظر في تعريف الجماعة لنفسها ودورها وعلاقتها بالعمل السياسي والحكومات والمجتمع.
اليوم، يملك الطرفان؛ الحكومة و"الإخوان"، فرصة مهمة لتأسيس مرحلة جديدة في تنظيم الشأن الديني والسياسي على نحو يلائم أهداف الدولة والمجتمع. وعلى عكس ما يظن كثير من "الإخوان"، فإنهم سيكونون المستفيد الأكبر من ذلك، لأن جوهر فكرتهم وروايتهم المنشئة هو الدعوة والتأثير، وليس المشاركة والتنفيذ، أو المعارضة السياسية. وفي ذلك تشكلت رؤيتهم للمسائل والقضايا والأفكار؛ باعتبارهم يدعون الأمة بمكوناتها، من حكومات وأفراد ومجتمعات، للاتجاه نحو هذه الأفكار والمطالب، ويسعون للتأثير في هذا الاتجاه من دون أن يكونوا طرفا تنفيذيا. وهذا ليس بدعا في العمل العام الدعوي والاجتماعي؛ ففي السياسة الحاضرة للدول والمجتمعات الديمقراطية، تتشكل جماعات التأثير ومنظمات المجتمع المدني، وفي التراث العربي والإسلامي فإن كل ما لدينا من دعوة ومذاهب وإنتاج فكري واجتماعي ووقفيات وإنجازات تعليمية ودعوية، هي عمل مجتمعي مستقل عن الدولة والسلطة السياسية.
لقد استُدرج الإخوان المسلمون، عبر تاريخهم الطويل، إلى اتجاهات وحالات مناقضة لفكرة الجماعة وفلسفتها ورؤيتها وتعريفها لنفسها ودورها؛ أولها، التحول من جماعة دعوة وتأثير، إلى أخوية سرية مغلقة، متأثرة بموجات الأخويات القومية والدينية والفكرية والسياسية التي اجتاحت العالم في أواخر القرن التاسع عشر، واجتذبت عددا كبيرا من الشخصيات والجماعات والمنظمات السياسية، لكن معظمها انقرض أو دخل في مراجعات استراتيجية غيرت من طبيعتها ومبادئها، لتلائم التحولات الفكرية والعالمية، وللتكيف معها.
والثانية، كان في انجراف الجماعة إلى العمل السياسي والمشاركة المباشرة في الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية، وفي التأييد والمعارضة السياسية، برغم أن تركيبتها الاجتماعية وخبراتها التي تشكلت لا تلائم هذا النوع من المشاركة. فبسبب طبيعتها الدعوية، ركزت الجماعة على التعليم والإرشاد، وفي ذلك تشكلت العضوية فيها وقياداتها بكل مستوياتها. ولم تكن قادرة بتشكيلتها هذه على المشاركة السياسية. إضافة إلى أن نزعتها الدعوية المثالية لا تلائم الواقعية السياسية. ثم توالت سلسلة من التحولات الفكرية والتنظيمية، كان أسوأها ما سمي "الإسلام السياسي"؛ سواء بجوانبه الفكرية أو التطبيقية. فقد ألحق ذلك ضررا كبيرا بالعقد الاجتماعي والعمل العام، وهي مسألة سأفرد الحديث عنها في مقال مستقل.
وكان ثالث التحولات الكبرى هو إنشاء ونحت سلسلة من الآراء والمواقف المستمدة من التاريخ العربي والإسلامي، ومحاولة تنزيلها على واقع مختلف جذريا؛ ما أنشأ حالات واسعة من التكفير والعزلة والانفصال عن الواقع، والاعتقاد بالانفراد في تمثيل الإسلام، والدمج في النظرة والحكم بين الجماعة والأمة.
يفعل "الإخوان" خيرا لأنفسهم وفكرتهم، وللأوطان والمجتمعات، إذا أعادوا النظر في طريقة عملهم وتفكيرهم، ليعملوا (ظاهرا وباطنا) من خلال الدولة والمجتمع، وتحت مظلة القانون وسيادة الدولة ومؤسساتها.

التعليق