قلق إسرائيل من المحكمة الجنائية الدولية

تم نشره في السبت 4 نيسان / أبريل 2015. 12:03 صباحاً

لا مكان للوهم بأنه بعد فترة ما سنشهد في قفص الاتهام في قاعة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، مجرمي حرب إسرائيليين، إثر شكاوى رفعتها ضدهم دولة فلسطين. رغم ذلك، فإن إسرائيل قلقة فعلا من انضمام فلسطين إلى المحكمة؛ إذ رأت فيها خطوة تحدٍ لها من القيادة الفلسطينية. ومن جهة أخرى، فهي تتخوف من أن الحراك الفلسطيني والعربي في أجواء المحكمة الدولية، سيلفت انتباه الرأي العام العالمي الذي تسعى إسرائيل إلى تغييب القضية الفلسطينية عنه.
بداية، يجدر القول إن القرار الفلسطيني بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية ليس بالخطوة العادية، نظرا لظروف القضية الفلسطينية، والجمود الحاصل فيها؛ فالقرار جاء رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية على القيادة الفلسطينية، تخللها حجب أموال الضرائب الفلسطينية عن حكومة "السلطة"، وهي تعادل 100 مليون دولار شهرياً، تجبيها السلطات الإسرائيلية في المعابر الدولية، على البضائع المستوردة لمناطق السلطة الفلسطينية. وهذا المبلغ الشهري يشكل مصدرا أساسيا لرواتب العاملين في أجهزة "السلطة"، على مختلف مستوياتها وتنوعاتها.
على أرض الواقع، نعرف أن إسرائيل لا تكترث بكل القوانين والمواثيق الدولية. بل إنها سنت قوانين لنفسها تشرعن من ناحيتها كل جرائم الحرب والاحتلال التي تمارسها على الأرض لحظة بلحظة؛ إن كان على مستوى مصادرة الأراضي والاستيطان، والحصار والحرمان من حرية الحركة، وحتى جرائم القتل والاغتيالات التي ترتكبها.
أكثر من هذا، فقد تحدت إسرائيل قوانين دول أوروبية، وعملت ونجحت في تغييرها. نقصد قوانين تلك الدول التي تسمح باعتقال مجرمي حرب من دول أخرى، حتى وإن لم تكن جرائمهم قد ارتكبت في تلك الدول الأوروبية وضد شعوبها. ونذكر أنه في العديد من المرّات، أفلت ساسة إسرائيليون "كبار" من الاعتقال في العديد من الدول، مثل أرييل شارون وتسيبي ليفني وإيهود باراك وغيرهم، إضافة الى عدد كبير من جنرالات الحرب الإسرائيليين، ورؤساء الأجهزة الاستخباراتية، الذين طلبت منهم الدول الأوروبية المغادرة فورا قبل أن يتم اعتقالهم، إثر شكاوى قدمت ضدهم.
وقد نجحت الضغوط الإسرائيلية والصهيونية في تعديل مثل هذه القوانين في عدد من الدول الأوروبية، نذكر منها على سبيل المثال، بلجيكا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها. كما نجحت إسرائيل، بمساعدة داعميها في العالم وأولهم الولايات المتحدة الأميركية، في إجهاض التقرير الدولي الذي يدينها بجرائم حرب ارتكبتها في الحرب على غزة، في نهاية العام 2008، ومطلع العام الذي يليه، وكان ذلك "تقرير غولدستون". ومنعت إسرائيل وحلفاؤها إصدار قرار في مجلس الأمن الدولي، يقضي بنقل التقرير إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وتعرف إسرائيل، بكل مستوياتها الرسمية، أن حال الشكاوى الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية، ستكون كحال ما سبق من أمثلة هنا. لكن إسرائيل لا تكتفي بهذا؛ فعلى الرغم من أنها لا تتوجه باسم حكومتها لهذه المحكمة، كي لا تشكل سابقة وذريعة للمحكمة لرفع قضايا ضد حكومة إسرائيل ذاتها، فقد كلفت منظمات يمينية إسرائيلية متطرفة بإعداد ملفات تتهم جهات فلسطينية بارتكاب "جرائم حرب" ضد إسرائيل. وحسب تقارير مختلفة، فقد يتم تقديم مثل هذه الشكاوى قريبا، أو بتزامن مع تقديم شكاوى فلسطينية ضد إسرائيليين.
رغم ذلك، يجب عدم الاستخفاف بانضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، لأن إسرائيل تعرف تماما، أنه بمجرد رفع دعاوى ضد قادتها السياسيين والعسكريين، والبدء بإجراءات قضائية أولى لفحص كل واحدة من هذ الدعاوى، فإن ذلك سيكون موضوع إثارة للرأي العام العالمي، والمنظمات الحقوقية العالمية، التي ستنشغل بالجرائم الإسرائيلية، في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى حجب القضية الفلسطينية كليا عن أجندة الاهتمامات العالمية.
يضاف إلى كل هذا، أن إسرائيل قلقة أيضا من اتساع انضمام دولة فلسطين إلى المنظمات الدولية، وترسيخ "الدولة" في الوعي العالمي، لتترسخ أكثر فكرة أن الصراع لا يدور على "أراض متنازع عليها" كما تريد الصهيونية، بل هي "دولة فلسطينية واقعة تحت الاحتلال".

التعليق