عيسى الشعيبي

كل ما كان يشتهيه "داعش"

تم نشره في الثلاثاء 7 نيسان / أبريل 2015. 01:05 صباحاً

ليست الولايات المتحدة وحدها من يتوقع استمرار الحرب ضد تنظيم "داعش" إلى أجل قد يمتد لنحو خمس سنوات (بعض جنرالاتها يضرب هذه المدة بثلاثة أرقام). فالتنظيم يخطط بدوره لإطالة المواجهة مع جبهة لا حصر لها من الأعداء الألداء، لفترة زمنية أطول بكثير، قد تستغرق أجيالاً، وتتسع نطاقاً جغرافياً، من وسط آسيا إلى غرب أفريقيا، وما بينهما من أمصار وأصقاع.
وفي وقت يبدو فيه عامل الزمن حاسماً بالنسبة للتحالف الغربي، الذي بات اسماً على غير مسمى، فإن هذا العامل الذي يلعب دائماً لصالح أصحاب النفس الطويل، هو العنصر الأكثر أهمية بالنسبة لتنظيم ما يزال في طور بناء الحواضن والتمدد والتمكين، ناهيك عن الاستثمار في أخطاء أعدائه، وتعويله الشديد على ازدياد حدة الاستقطاب، واحتدام الفتنة المذهبية داخل عالم الإسلام.
وإذا كانت معارك ديالى التي خاضها هذا التنظيم في شرق العراق، وخسرها تباعاً، لم تُشعل إلا بعض الحرائق المذهبية الصغيرة، ولم يصل من مشاهدها المرعبة إلى شاشة التلفزيون إلا أقل القليل منها، فقد جاءت معركة تكريت الأخيرة بمثابة شراب الترياق الذي كان يشتهيه "داعش"، جراء ما رافق المعركة ونجم عنها من مشاهد نهب وذبح وسحل وحرق وتدمير، وقعت جميعها تحت رايات "الحشد الشعبي" الشيعي، وملأت فضاء "يوتيوب".
وأحسب أن هذه الصور التي تفوح منها الرائحة المذهبية، كانت أثمن المكاسب التي كان التنظيم المتوحش يسعى إلى حصدها بالجملة، من وراء خوضه معركة بدت خاسرة سلفاً، وصغيرة بمقياس المعركة الكبرى المنتظرة في معقله الرئيس في الموصل. فقد أتت التقارير المبثوثة من عين المكان؛ من المدينة العراقية المسكونة بشتى الدلالات الرمزية للمكون السُنّي، بمثابة حملة إعلامية هائلة، لم يكن في وسع "داعش" إطلاقها على هذا النحو الذي تعجز عن تحقيقه أكبر ماكنات الإعلام الهوليوودية.
ولم يكن ذلك كله هو المكسب الوحيد الذي كان على الأرجح مخططاً له من جانب التنظيم البارع في استثمار سطوة الدماء؛ إذ بدت طائرات التحالف الأميركي أقرب ما تكون إلى سرب سلاح جوي متقدم في خدمة "الحشد الشعبي" ذي المحتوى الإيراني، أدت غاراته إلى فتح الطريق أمام عشرات المليشيات العاجزة عن اقتحام المدينة المحصنة، ومن ثم ارتكاب كل هذه المقارفات التي لا يمكن لواشنطن غسل أيديها منها على أي حال.
في المقلب الآخر من المشهد البانورامي المفعم بالصور السريالية، حطت عصا هذا التنظيم "الأميبي" مؤخراً في مخيم اليرموك، الواقع على الكتف الجنوبي لدمشق، ليبدأ من هناك عملية استثمار جديدة في المأساة الفلسطينية، التي استثمر فيها كل الطغاة قبله، وحولوها إلى قميص عثمان؛ لعله يتمكن من توظيف الدم الفلسطيني في تسويق خطابه المبتذل، وتقديم نفسه كمحارب في سبيل القضية المنسية، خصوصاً بعد أن نجح في خلط أوراق المتقاتلين المحاصرين داخل المخيم المنكوب، واستجر ردود فعل إضافية من جانب نظام لا يقل وحشية عنه، كان أولها سلاح البراميل المقنبلة.
هكذا، يكون "داعش" قد حقق في وقت قصير، أعز ما كانت تشتهيه نفسه؛ إذ حصل على قبلة الحياة من التدخل الإيراني السافر في معركة تكريت، وهو أمر كان ينتظره على أحر من الجمر؛ وأظهر سلاح الجو الأميركي وكأنه السرب المخصص لقوات "بدر" و"عصائب أهل الحق" وغيرهما؛ وأطلق حملة إعلامية ضارية عبر تلك المشاهد الفظيعة من تكريت، صبت في طاحونة دعايته المستمدة من تسعير حدة الصراع المذهبي. وفوق ذلك، هبط التنظيم مؤخراً كغراب البين على مخيم اليرموك، وسط حالة من الصدمة والذهول وعلامات التعجب لدى سائر الأطراف.
بكلام آخر، فإن سوء التقدير، والافتقار إلى وضوح الرؤية، ناهيك عن فقدان الاستراتيجية من جانب التحالف الذي تقف على رأسه الولايات المتحدة، فضلاً عن تفاوت الأولويات وتضارب الهموم والاهتمامات من جانب جميع المخاطبين بتحدي "داعش"، تضافرت معا لصالح لهذا التنظيم الذي يلعب على عنصر الزمن، لحصد سلسلة من المكاسب التي يعول عليها بشدة، وأهمها إذكاء نار فتنة أشد هولاً من سابقتها التاريخية، وتوظيف نتائجها في خدمة مشروع إمبراطوريته الإمبريالية المجاهدة.

التعليق