إبراهيم غرايبة

النظام العربي و"ما بعد الغلبة"!

تم نشره في الأربعاء 22 نيسان / أبريل 2015. 11:07 مـساءً

يبدو العرب، في أكثر من دولة وأكثر من مناسبة، غير قادرين على إدارة أزماتهم وبلادهم. ففيما دخلت دول في الفوضى والفشل، مثل الصومال والعراق وسورية واليمن وليبيا، تبدو معظم الدول العربية غير قادرة على استيعاب التحديث واللحاق بالعالم. وكثير من الدول التي تبدو سعيدة بأنها نجت من الفوضى، تعاني من استبداد وفشل يهدد بدفعها إلى الفوضى و/ أو الإفلاس في أي لحظة.
لماذا يعجز النظام العربي عن مواجهة الأزمات في المنطقة وإدارتها؟ لماذا تعجز الدول الوطنية عن القيام بمهماتها الأساسية؟
مشكلة النظام العربي، ببساطة، أن الدول والمجتمعات العربية حدّثت نظامها التعليمي، ولكنها لم تحدّث نظامها السياسي والاجتماعي بما يتفق مع الحداثة التي دخلت فيها. ومشكلة النخب العربية أنه يوجد إنترنت وجامعات ومدارس وطبقة وسطى.. لكن لا يمكن في ظل المعرفة السائدة أن يظل النظام الاجتماعي والسياسي قروسطيا هرميا؛ يفترض أن هناك أقلية تعرف وأغلبية تابعة لا تعرف. فالمعرفة والشبكية تعنيان حتما المساواة والمشاركة. وفي الدول الحديثة، تتشكل الهوية حول المصالح والمكان والمواطنة، وتقتصر الروابط القرابية والدينية والطائفية والمذهبية على إطارات فردية لا علاقة لها بالسياسة والثقافة. وإذا لم ينشئ اليمنيون والسوريون والعراقيون والليبيون، كما العرب جميعا بلا استثناء، عقدا اجتماعيا يلائم الدولة الحديثة، فإنهم يحولون أنفسهم إلى قبائل وطوائف تتصارع كما كان شأنها قبل الدولة الحديثة.
صحيح أن الدولة العربية الحديثة أنشأت مؤسسات وقوانين وإدارات سيادية. لكن ذلك كله استنفد أغراضه. فقد كان ضروريا ومتقبلا لمرحلة تأسيسية انتقالية، لكن لا يمكن مواصلته. ففي الدولة الحديثة، يتشكل جوهر العقد الاجتماعي حول "الأكفأ". وإذا عجزت النخب والمجتمعات عن استيعاب هذه القاعدة، فليس من خيار أمامها سوى إلغاء المدارس والجامعات وشبكات الاتصالات؛ والعودة إلى الرعي والزراعة، فيما يقتصر التعليم والتمدن على ما لا يزيد على خُمس السكان. يكفي النخبة في كل قرية أو تجمع سكاني معلم أو عمدة، يجمع الولاء والضرائب والمنتوجات الأولية ويرسلها إلى المركز.
ما من تقنية وموارد جديدة إلا وتنشئ نخبا جديدة وتذهب بأخرى، أو تكيف القديمة نفسها وفق الموارد الجديدة. على سبيل المثال، تتحول المراباة إلى بنوك، وملكية الأراضي والمواشي إلى وكالات تجارية وسلعية جديدة، والمخاتير إلى مديرين ومقاولين. وفي ذلك يحدّث التخلف نفسه، ويحول الأزمة إلى واقع معقد وصلب، أو تُنشأ أسواق ومجتمعات وثقافة جديدة مختلفة.
عندما بدأ الغرب ينشئ مدارس في أفريقيا، وضع الزعماء القبليون بابا للمدرسة يمنع دخول الأطفال الذين تزيد قاماتهم عن ارتفاع الباب، لأن القيادة المحلية للمجتمع لا تحتمل حدا مفتوحا للمعرفة والمهارة. وظلت المدارس في بلادنا تتوقف عند الصف الرابع، لأن العمل في الزراعة والفلاحة لا يحتاج إلى معرفة أكثر من ذلك.
العرب اليوم في حاجة إلى أن يعرفوا أنهم يعرفون. ويا لسوء حظهم؛ فإنهم يعرفون بالقدر الذي لم يعد معه من مجال سوى تغيير النظام الاجتماعي والسياسي.. والتخلي عن الغلبة! مع الرحمة والتقدير لابن خلدون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل تقصد (كمال غرايبة)

    الخميس 23 نيسان / أبريل 2015.
    العرب اليوم في حاجة إلى أن يعرفوا أنهم يعرفون-ام تقصد العرب اليوم بحاجة الى ان يعرفوا انهم لا يعرفون