موت في البحر المتوسط

تم نشره في الأربعاء 29 نيسان / أبريل 2015. 12:00 صباحاً
  • قارب إنقاد يحاول مساعدة مهاجرين أفارقة في البحر المتوسط - (أرشيفية)

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

نيكولا بيروغيني * - (كاونتربنتش) 21/4/2015
ربما كانت هذه الحادثة الأخيرة هي المأساة الأكبر في تاريخ الهجرات عبر البحر الأبيض المتوسط. فوفق الشهادات التي أدلى بها بعض من الناجين الثمانية والعشرين، ثمة ما يتراوح بين 700 و900 شخص، أتوا بشكل رئيسي من دول السهل الإفريقي، كانوا على متن المركب الذي غرق في مضيق صقلية يوم 19 نيسان (أبريل) الحالي.
لقد تعودنا على ذلك، وهذه في الحقيقة واحدة من أكثر ملامح هذه القصة إثارة للرعب. أجل، لقد تعودنا - نحن الأوروبيين البيض من مختلف الجنسيات والذين نحمل جوازات سفر تتيح دخول أي مكان (مفتاح ماستر)- على (رؤية) آلاف الجثث لغير البيض غارقة في مياه البحر الأبيض المتوسط، مثلما تعودنا على العديد من الأشكال الأخرى للإبادة المرتكبة على أساس الفروقات العرقية في الماضي. فكيف حدث ذلك؟
ما تزال السياسات الأوروبية الخاصة بالبحر الأبيض المتوسط تتسم بالتذبذب المستمر بين النزعة الإنسانية وبين ممارسة دور الشرطي، وتفرز مناقشاتنا عن الهجرات، وبشكل دائم ومجدداً نوعاً من الإنكار.
دائماً، تؤطر الأسئلة كما لو أن العمليات التي حولت البحر الأبيض المتوسط إلى أكبر مقبرة بحرية في العالم كانت مفصولة بطريقة ما عن نظام "الشنغن" القانوني الإقليمي لدينا.
 جوازات سفر البيض في مقابل غير البيض
لقد حول هذا النظام "منطقة الشنغن" داخل وحدة إقليمية واحدة، وأقام جداراً، خاصة ضد حاملي جوازات السفر الآسيوية والإفريقية. والمعروف أن "الشنغن" يفرق في نهاية المطاف بين جوازات سفر البيض وجوازات غير البيض، وينكر على الأخيرين الحقوق الإنسانية العامة، مثل الحق الأساسي في حرية الحركة والتنقل.
إن تصوير شنغن كإنجاز أوروبي ("لا حدود لأوروبا!") بينما يتم تجاهل تأثيره السياسي على غير البيض، يمكننا من التحدث عن "حوادث" عندما يغرق أناس في واجهاتنا المائية، ثم ننكر أن تكون قوانيننا الخاصة هي التي قتلتهم.
 في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2013، وبعد أن غرق 366 شخصاً في نقطة قريبة من جزيرة "لامبيدسا"، شكلت الحكومة الإيطالية المهمة العسكرية الإنسانية التي تدعى –مير نوسترم-("بحرنا") بالتنسيق مع حكومات شمال إفريقية. وبالرغم من كمية كبيرة من عمليات الإنقاذ، لم تستطع المهمة الحيلولة دون موت العديد من المهاجرين غرقاً.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2014، تم استبدال "مير نوسترم" بما يدعى "تريتون"، وهي عملية بقيادة الوكالة الأوروبية لإدارة التعاون التشغيلي عند الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (فرونتكس)، ومهمتها "دعم السلطات الإيطالية في جمع المعلومات الاستخبارية عن شبكات تهريب البشر، والتي تعمل في بلدان الأصل، وعمليات نقل المهاجرين".
لقد تم وضع الواجب الأخلاقي والقانوني للإنقاذ في الموقد الخلفي، بينما أصبحت الدوافع الأمنية وضبط الحدود ومنع التهريب هي التي تحتل الأولوية.
 بيانات اليمين
منذ ذلك الوقت، أصبح التوتر بين الإنقاذ وبين ممارسة دور الشرطي مستمراً في تشخيص النقاش، ويصاحب المزيد من الوفيات بين المهاجرين. ومن الواضح أن نظام "الشينغن" ظل بلا مساس.
خلال الشهور الأخيرة، كان ثمة العديد من المناشدات بين الساسة الأوروبيين، حتى لتعليق عمليات إنقاذ المهاجرين في بحر أوروبا الجنوبي. وقال وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2014: "إننا لا ندعم عمليات البحث والإنقاذ المخططة في البحر الأبيض المتوسط، فهي -عامل جذب- غير مقصود، والذي يشجع المزيد من المهاجرين على محاولة عبور البحر الخطير، وبما يفضي إلى المزيد من الوفيات المأسوية وغير الضرورية".
كان بعض ساسة الجناح اليميني قد قالوا مباشرة بعد هذه المأساة الأخيرة في مضيق صقلية: "يجب علينا إغراق القوارب (التي تنقل المهاجرين). وسيكون كعمل حربي أفضل من خسارة حرب". أو "يجب علينا فرض حصار بحري دولي (ضد ليبيا)".
ثمة اتجاه صريح للقتل في هذه التصريحات. ومع ذلك، سوف نرتكب خطأً إذا فهمنا هذه الدعوات التي تنطلق بين الفينة والأخرى وتصب في صالح تصفية الأرواح الإنسانية غير البيضاء، على أنها حالات معزولة من الجنون السياسي.
حل متعاطف
من الأكثر إخافة بكثير النظر التي الطريقة التي طبّعنا بها، نحن الأوروبيين حملة جوازات السفر الشنغن العاديين، مجازرنا في البحر الأبيض المتوسط. لقد أسبغنا عليها صبغة التطبيع بالضبط لأننا نشعر بالراحة بعد الاستماع إلى متطرفي اليمين أو المتشددين الحكوميين وهم يعبرون عن أفعالهم الشريرة في الخطاب العنصري. فنقول لأنفسنا: "هذا شيء كثير جداً. إن علينا واجبا أخلاقيا يتمثل في إنقاذ الأرواح".
لكن المشكلة أن الإنقاذ -ما قد نظن أنه يشكل الحل المتعاطف للمشكلة- هو ببساطة جزء من عملية إضفاء بعد باطني على قوانيننا القاتلة الخاصة.
 في الحقيقة، يشكل الإنقاذ كلية جزءاً من آلية القتل القانونية هذه، التي نسميها باطمئنان: إدارة الهجرة. لقد مات المئات من الناس في الحادثة الأخيرة بينما كان فريق إنقاد من حرس السواحل الإيطالي يقترب منهم. وقد انتقل المهاجرون إلى جانب قاربهم القريب من قارب حرس السواحل حتى يتم إنقاذهم. فتسبب ثقل وزنهم في قلب قاربهم وقتلوا في وسط عملية الإنقاذ.
إن الشعور بالفزع من تصريحات اليمين المتطرف عن الإنقاذ ليس كافياً. ويجب علينا أن نطلب من حكوماتنا التوقف عن المزايا التي تعرضها معاهدة "الشنغن"، وأن تقوم بفتح حدودنا.

*مؤلف كتاب "حقوق الإنسان سوف تسود".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Death in the Mediterranean

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

@abdrahamanalhuseini

التعليق