في ضيافة الرئيس

تم نشره في الأربعاء 29 نيسان / أبريل 2015. 11:00 مـساءً

محمد الشواهين

كنتُ محظوظا بأن أتيحت لي فرصة زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في مكتبه برام الله، هذا الأسبوع. وخلال ربع الساعة الذي جمعنا، تطرقنا لمواضيع متعددة، لمست من خلالها الكم الهائل من الخلق والتواضع اللذين يتمتع بهما هذا الإنسان، كما نظرته الثاقبة إلى المستقبل، وإصراره على التمسك بالثوابت الوطنية. وفي هذا المقام لدي الكثير من الكلام في هذا الشأن، بيد أنني لا أريد أن أزيد في الإطراء والمديح الذي يستحقه، كي لا يظن البعض أنني من المتكسبين أو منتهزي الفرص.
في زيارتي الأخيرة هذه لفلسطين -ولا أدعي أنني قد تمكنت من زيارة كل مناطقها- انتابني الحزن والألم على هذه البلاد التي باركها الله سبحانه وتعالى، وبارك ما حولها كرامة لبيت المقدس، حيث بات المسجد الأقصى مهددا بالتهويد، مع الاقتحامات المتكررة من غلاة المستوطنين، ومن يسمون أنفسهم بحراس الهيكل، المزعوم طبعا.
المراقب لما يجري في تلك الديار من أحداث، يشهد بأم عينه أن القضية الفلسطينية سوف تظل تراوح مكانها إلى ما شاء الله، إذا بقيت حال العرب على ما هي عليه من بؤس وتشرذم، باستثناء النزر اليسير من التقدم البطئ الذي لا يأتي إلا يجهود جبارة يبذلها الرئيس الفلسطيني، وهو أشبه بمن يحفر في الصخر. ولا يخفى على أحد أن القيادة الفلسطينية تعمل جاهدة، وعلى كل الصعد، كي تحافظ على منجزاتها، ومن ثم ّ إحراز المزيد من هذه الإنجازات، والتي تحتاج إلى جهد عربي ودولي مساند وضاغط على حكومة اليمين الإسرائيلي، والتي لا يتوقع منها تقديم أي شيء من الاستحقاقات الفلسطينية.
السؤال المطروح: ماذا نتوقع من دول عربية انشغلت بأحداثها الداخلية، فيما يسمى "الربيع العربي"، والذي انقلب إلى خريف عصف بالأخضر واليابس؟ ومن ذلك حال سورية مثلا، التي كانت دولة مواجهة يُحسب لها ألف حساب، بغض النظر عن أسرة الأسد التي وصلت إلى الحكم بانقلاب عسكري، أعاد البلاد اليوم عشرات السنين إلى الوراء. وأيام الوحدة مع مصر، تأمل العرب كثيرا، واعتقدوا يومها أن لحظة التحرير باتت قريبة. لكن قوى الشر والطغيان الدولي لم ترد لهكذا وحدة أن تستمر، وبدا جليا أن العرب لن يتوحدوا بالمعنى المطلوب شعبيا، لأسباب خارجية تفرض هيمنتها على الدول والشعوب، كما أسباب داخلية عبر الانغماس في الفساد والبطش وقهر الشعوب ونهب خيراتها.
وجود السلطة الفلسطينية على أرض فلسطين هو إنجاز لا يستهان به. فعشرات آلاف الفلسطينين أعادتهم "السلطة" من الشتات إلى الضفة الغربية وغزة، وقامت بتثبيتهم على الأرض الفلسطينية التي يحاول المحتل الإسرائيلي، بكل الوسائل والطرق، تفريغها من أهلها، بالاستيلاء عليها بالاستيطان غير المشروع دوليا، وبالمصادرة والتهجير وهدم المنازل، وعدم السماح بالبناء لأهل الأرض أصحاب الحق الذين يعانون الأمرين من جراء الاحتلال البغيض.
الخطوة الجريئة التي خطاها الرئيس الفلسطيني بانتزاع لقب الدولة بدل "السلطة"، على الرغم من الضغوطات والتهديدات التي تعرض لها، محسوبة له كإنجاز يضاف إلى الإنجازات السابقة. لكن الغريب في الأمر، أن ثمة من "لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب" كما يقال، فامتهنوا التشكيك في كل هذه الإنجازات، وتخوين كل الخطوات، بما من شأنه أن يلحق الضرر بالقضية الفلسطينية برمتها، وتقديم خدمة مجانية لسلطات الاحتلال التي تخترع الإشاعات، ليتناقلها ذوو الأفق الضيق، أو الأجندات المشبوهة. وللحديث بقية.

التعليق