مروان المعشر

حرية الصحافة في الأردن

تم نشره في الثلاثاء 5 أيار / مايو 2015. 11:08 مـساءً

احتفل الأردن، مع العالم، هذا الأسبوع، باليوم العالمي لحرية الصحافة. ومن يسمع الخطاب الرسمي، يعتقد أن الصحافة لدينا حرة، خاصة وأننا ألغينا وزارة الإعلام قبل اثني عشر عاما. فلم، والحال كذلك، يكون ترتيبنا في مؤشر منظمة "بيت الحرية" Freedom House) 155) من أصل 199 دولة في العالم، وتصنف الصحافة لدينا بأنها "غير حرة"؟ من نصدق؛ الخطاب الرسمي أم واقع الحال؟
بعد العام 1989، أتى إلى وزارة الإعلام عدة وزراء ذوي رؤية منفتحة نحو الإعلام، مثل إبراهيم عزالدين ومحمود الشريف وخالد الكركي، حاولوا تخفيف حدة قبضة الوزارة على الإعلام، وتعديل قوانين الصحافة بما يؤدي إلى ذلك. وفي العام 1996، عندما كنتُ وزيرا للإعلام، تقدمت الحكومة بمشروع قانون لمجلس النواب، يلغي وزارة الإعلام وينشئ مجالس إدارة مستقلة للإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء. ماذا كانت النتيجة؟ بقي القانون حبيس أدراج مجلس النواب سبع سنوات. ولمّا ألغيت الوزارة في العام 2003، تبين أن عدة وزارات إعلام، في مواقع متعددة من السلطة التنفيذية، بقيت ناشطة وتمارس ضغوطا أكثر بكثير من وزارة الإعلام، من دون أن يكون عليها رقابة مؤسسية. ويظهر تقرير "حال الحريات الإعلامية" في الأردن، أن 70 % من الصحفيين إما تعرضوا لمحاولات احتواء، أو سمعوا عن زملاء وزميلات تعرضوا لذلك. أما مجالس الإدارة، فلم يكن معظمها مستقلا عن تدخلات السلطة التنفيذية، حتى غدا إلغاء الوزارة لا معنى له.
عندما كنتُ وزيرا للإعلام، تقدمت بتوصية للحكومة ببيع حصتها غير المباشرة في الصحف، للحد من التدخل السافر في تعيين رؤساء التحرير، كما التدخل في السياسة التحريرية للصحف. وجاءت الأجندة الوطنية لتقترح تحديد "مساهمات الحكومة المباشرة وغير المباشرة في ملكية وسائل الإعلام، بحيث لا تتجاوز نسبة معينة، ضمانا لعدم تأثيرها على استقلالية هذه الوسائل". بالطبع، لم تعمل الحكومات المتعاقبة بهذه التوصيات، بل استخدمت حصتها في الصحف ليس فقط للتدخل في السياسة التحريرية، وإنما أيضاً للتوظيف الجائر والتنفيعات، حتى باتت هذه الصحف أبواقا للحكومات؛ كل واحدة تعين رئيس التحرير الذي تريد للتغني بأمجادها، في استخفاف سمج بعقلية المواطن، حتى أتى الوقت الذي تراجعت فيها أعداد قرائها من جهة، وتعاظمت مصاريفها من جهة أخرى، لتقع في أزمتها الحالية.
بعد كل التغني بحرية الصحافة في الأردن، يمارس عكس ذلك، ويتم إيقاف الصحفيين انتقائيا، ولأسباب تقدرها الحكومات من دون رادع، رغم توصية الأجندة الوطنية "بعدم جواز إيقاف الصحفي بسبب نشره لرأيه أو معلومات". ويتم احتجازهم من دون محاكمة لمدد طويلة، لتثقيفهم الدروس المطلوبة.
السلطة التنفيذية لا تنظر إلى الصحافة على أنها ركن من أركان الديمقراطية، وأن حريتها جزء من بناء نظام الفصل والتوازن الذي تحدّث عنه جلالة الملك في أوراقه النقاشية؛ الفصل بين السلطات، وضمان عدم تغول الواحدة على الأخرى. الصحافة بالنسبة للسلطة التنفيذية إما أبواق تمجد كل ما تقوم به الحكومات فقط، وإما مصدر للإزعاج من الضروري مراقبته وتخويفه، حتى لا يجرؤ على النقد. قلة تنظر للصحافة على أنها تمارس دورا تثقيفيا ورقابيا ضروريا، من دون التطبيل الفارغ من المحتوى، والذي لم يعد يقنع أحدا.
في بلادي تتكرر القصة مرات عديدة؛ لجان وطنية تشكل وتخرج بتوافقات وطنية وتوصيات ناجعة، يتم وضعها على الرف. يتبع ذلك هجوم كاسح على من يجرؤ على سؤال: "أين ذهبت التوصيات؟"، لأن في ذلك "جلدا للذات". يبدو أن المطلوب أن لا نحتفظ بالذاكرة، حتى "تعود حليمة لعادتها القديمة".
وكل عام وأنتم، وحرية الصحافة، بخير!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هو سقف الحرية؟ (ابو ركان)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
    يبدوا ان سقف الحرية في الاردن ليس السماء كما يريد جلالة الملك , بل سقف الغرفة فقط , وهذا يقود الى التسائل ( من يدير البلد ) ومن يقرر ؟ فهل قوى الشد العكسي التي اشار لها جلالة الملك اكثر من مرة هي من تملك النفود الكبير لقمع الحريات وابقاء البلد يراوح بمكانه في كل المجالات , مما يزيد الوضع تعقيدا وتدهورا . مجرد تسائل يحير كثيرا من الاردنيون ولا يجدوا جوابا مقنعا له. حمى الله الاردن مما يحاك له.
  • »الوسواس الخناس (فيصل)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
    بسم الله الرحمن الرحيم..
    قل أعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس
    ..صدق الله العظيم ...
    وفهمكم كافي
  • »مقال جيد (عادل)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
    مقال رائع، لكنه في ذات الوقت يظهر السقف المتدني لحرية الصحافة. فالكاتب تجنّب ذكر الجهات الحقيقية التي تقف خلف توقيف الصحفيين وتعمل على استمالتهم واستيعابهم بالترغيب والترهيب. كما أنه اضطر لتحميل كامل المسؤولية للحكومة
  • »سؤال استفساري ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
    يتشدق الكثير بمسميات مزركشة حرية الصحافة- حرية الراي والراي الأخر- حقوق المراءة- الح من حريات ومسميات؟؟ ولكل سلوك تشريع يحدد سقفه وصحته حتى لاتتغول الحرية على سلوكيات الغير واو الصدام مابين مكونات المجتمع حيث كل ينظر من خلال هواه ومصلحته على سبيل المثال لاالحصر"مايتم رؤيته وفق النظرية الراسمالية "حريه" تجده تجاوازا للحرية وفق النظرية الإشتراكية وكذا سلّم النظريات نفسها وسط يمين تطرف؟؟من هنا السؤال الذي يطرح نفسه اين التشريع منزوع الهوى الشخصي والمصلحي الناظم لمثل ذلك والمتفق عليه حنى يكن الفيصل مابين كل هذه الإتجاهات درء للخلاف المؤدي للصدام والعنف مابين المجتمعات ونحن ننتظر رد ممن يتغنون بمثل تلك مسميات حتى لايكون مثلهم" "قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا"صدق الله العظيم
  • »خطوة الألف ميل (خالد صالح)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
    حرية الصحافة هي حلقة واحدة من منظومة الحريات المدنية للمواطنين،فبدون احداث إصلاح سياسي جاد وعمل قوانين تنظم عمل السلطات ،وكيفية اختيارها عن طريق الانتخاب وليس التعيين،فلن نتقدم خطوة واحدة في مجال الحريات،والحريات يجب ان لا تخضع لمزاج شخصي أعطي هنا وامنع هناك،وتغول او تدخل اية سلطة في عمل غيرها يجهض العملية من بداياتها،مشاركة الجميع في اتخاذ القرار وان تكون هناك مساءلة ومحاسبة لكل من يتخذ قرارا هي البداية لجعل الحريات ثقافة وعرف اكثر من تكون هبة ومكرمة!