"بطاقة شرف" أم شهادة وفاة؟!

تم نشره في الخميس 7 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً

م. زيد عيسى العتوم

قد لا يخفى على ناظر إلى الحالة السورية أو سامع بها، ما يلفّ مشهدها من عوامل الضبابية والتعقيد. وقد يجتهد العارفون والمحلّلون لتجزئة، ومن ثم لملمة عناصر السياسة والأمن والجغرافيا، لبلد فُضّ نسيجه واستبيحت أركانه. وقد يرى المفكرون في ذلك حالة إقليمية بائسة من عوامل الشدّ والجذب على أرض غدا أهلها نازحين أو مقهورين أو ميتين. لكننا قد نَغْلَبُ في الإطلالة على نظامٍ تلطّخ وعيه بلا وعيه، وسيطرت بواعث الإنكار والتجاهل والرفض على حال شخصيته! فهو يرى المحرقة السورية تشتعل، بينما يصفها بأرفع الكنى الوطنية والأخلاقية. وهو يَشُمّ رائحة الدم السوري المسفوك، ولا يقتصد به ولو كان نهرا جاريا. وهو يسمع صيحات الثكلى وأنين المعذبين، لكنه يحتسبها ثمناً واجباً لتقوية الصمود بالسَفر إلى دار الخلود، وإنقاذ البلاد بإغراق العباد.
تطوّرت المواقف الدولية والإقليمية، بين داعم ومؤيد ومشارك لإنهاء المواجهة العسكرية على التراب السوري. وبرغم البكاء الدولي والإنساني، وتوالي القرارات المجوّفة بفعل صراع المصالح وليّ أذرع اللاعبين الرئيسيين بعضهم لبعض، وبعد سنين الحرب الماحقة التي أحرقت الأخضر واليابس، لم ترقَ جهود إنهاء المأساة وتخفيف المعاناة إلى مستوى مقبول. فقد أُختزلت هذه المساعي بمساعدات إغاثية محددة، وخدمات لوجستية قاصرة، وزيارات لمشاهير خطفوا الأضواء بهم أكثر مما حولهم. وليظهر الرئيس السوري هذه المرّة متفائلاً وكريماً، مكافئاً لشبّيحته ومجرميه؛ يمنحهم امتيازات القتل ومزايا الموت وصكوك الغفران، فيصدر مرسوماً رئاسياً يقضي بمنح "بطاقة شرف" لذوي القتلى والمفقودين والمصابين بعجز كلّي، تمكنهم من الاستفادة من جميع الخدمات الصحية مجاناً، بالإضافة إلى الاستفادة من حسم كبير على أجور وسائل النقل المختلفة.
وهنا نسأل: هل ما يُمنح يمثل بطاقة شرف لمن دافعوا عن الأرض والعرض، أم شهادة وفاة لشخوص قضوا ورحلوا وهم مجهولون، إلا في دمعات من فَقَدَهم؟! وهل تكريم الأحياء سيُجمّل ويلوّن جريمةً بذلك الحجم وتلك البشاعة والألم؟ وهل إصدار شهادات الشرف تلك سيخرج الشهادات المدرسية المقتولة تحت الركام، وسيبعث الشهادات الجامعية المخنوقة بضيق العيش وانسداد الأفق، أم أن تلك الإجراءات الشكلية ليست أكثر من أعراض متقدمة لمرض إنكار الواقع السوري الرهيب، لبلد أصبح مقسّماً تحت عناوين المقاومة المفترضة، والتحرير الموعود، والخلافة البائسة الجديدة؟ وهل منح العطايا وتقليد الأوسمة وإصدار الشهادات، سيعيد ملايين المهجرين داخلياً وخارجياً إلى بيوتهم المدمرة والخاوية، سالمين غانمين، أم أن كل ذلك لا يعدو كونه محاولة باهتة لذرّ رماد البقاء في عيون سقطت أو تكاد؟
لقد أصدر الرئيس السوري بشار الأسد منذ توليه السلطة في العام 2000 أكثر من ألف مرسوم تشريعي وجمهوري، شملت مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنها لم ولن تغير حاجة السوريين إلى استنشاق هواء الحرية والكرامة، ولم ولن تعفيه وغيره من مسؤولياته السياسية والجنائية والأخلاقية عبر عقودٍ من القهر والتجبّر. أما سورية، فهي كلها بحاجة إلى بطاقة أمل وشهادة ميلاد، وضوء حقيقي ينبعث من نفقٍ موحش طالت ظلمته.

التعليق