أدب الأطفال.. خطابات محصورة بـ"افعل" و"لا تفعل"

تم نشره في السبت 9 أيار / مايو 2015. 11:00 مـساءً
  • ينبغي لأدب الطفل أن يكون على قدر التحدي في الارتقاء فكريا ومعرفيا - (mct)

عزيزة علي

عمان– ذهبت كاتبات الى أن غالبية ما يقدم للأطفال من قصص، تطرح في مجملها مواضيع “سطحية” محصورة في خطابات “افعل” و”لا تفعل” تحت سلاح القيم الأخلاقية، بدون فهم عميق لنفسية الطفل واحترام عقليته في الإجابة الشافية لكثير من القضايا والمواضيع التي تؤرقه.
وذهبن، في حديثهن لـ”الغد” حول أدب الأطفال، إلى أن هناك أزمة حقيقية تتمثل في أن الأطفال بحاجة إلى المعرفة والحقيقة بما ينسجم مع زمن ثورة التكنولوجيا والتي أصبح الطفل فيه أكثر وعيا ومعرفة بالأشياء التي يريدها مباشرة.
الى ذلك، يضعن من يتجه لكتابة قصص للأطفال في صورة المسؤولية الكبيرة التي تلزم هذا الاختصاص المهم، معتبرات أن هنالك قصصا مقدمة للطفل “ركيكة” ولا تثير مخيلة الطفل ولا ترتقي بذكائه.
واستنتجن، في حديثهن حول أدب الطفل، أن المعضلات التي تواجه هذا النوع من الأدب بحاجة إلى وقفة تأمل بما يقدم من قصص، وإذا ما كانت تلك القصص تواكب العصر الذي يموج بوسائل التواصل الاجتماعي وتعدد سبل الحصول على المعرفة والمعلومة، وكذلك تعنى بترسيخ لغة الطفل العربية بالشكل السليم باعتبارها هوية عربية وطنية.
القاصة أميمة الناصر، ترى أن هذا العصر الذي تتراكم فيه المعارف وتصل إلى الطفل بأبسط الطرق وأسرعها، لا بدّ للأدب أن يكون على قدر التحدي في الارتقاء فكريا ومعرفيا بما يقدم للطفل، وأن تكون الأعمال على قدر من الحرفية بحيث تشبع ذائقة الطفل الجمالية وتطورها وتثير مخيلته وتقدم له المتعة العالية.
وقالت الناصر إن من يكتب تقع عليه مسؤولية تغيير النظرة إلى الطفل وطبيعة كينونته، وما يقدم له من أعمال في مجال التربية أو غيرها، وأن يبتعد في طرحه عن السطحية للعديد من القصص العالمية أو التراثية.
وتؤكد أنه يغلب على معظم القصص المتواجدة “السطحية والسذاجة” في تناول مواضيعها وحصرها في باب “افعل” و”لا تفعل” والاشتغال على القيم الأخلاقية، بدون فهم عميق لنفسية الطفل أو احترام عقليته في الإجابة الشافية لكثير من القضايا والمواضيع.
ورأت الناصر أن الحديث عن أدب الطفل يبرز مباشرة المشكلة الأهم، وهي أن الكثير من الكتاب لأدب الطفل هم غير متخصصين لهذا النوع من الكتابة؛ وبعضهم يتخذها هواية وأحيانا أخرى لا يملكون الأدوات الفنية اللازمة للارتقاء بهذا الأدب.
وفي هذا الصدد، ترى الناصر أن هناك تيارا أيضا يعتبر أن الكتابة للطفل فن سهل؛ في ظل ما يؤكده نقاد أن الكتابة للأطفال أقل أهمية من أنواع الأدب الأخرى، مما أدى بنظرها الى تراجع حاد في تراجع مستوى الكتابة للأطفال.
وأشارت الناصر إلى أهمية “الهوية” كأهم ركيزة يجب الانطلاق منها؛ معتبرة أن الأطفال يجب أن يعرفوا هويتهم ولغتهم التي ستحدد منذ نعومة أظفارهم مستقبل شخصيتهم، وتجعلهم قادرين على الإجابة عن تساؤلات تتعلق “بالأنا” التي تعني الفرد، ثم “الأنا” الجمعية التي يعيش معها وتحمل الهوية ذاتها.
وبالحفاظ على الهوية من خلال كتابة القصص للطفل، ترى الناصر أن ذلك يدفع الأطفال للحفاظ على توازنهم الفكري والنفسي والثقافي والديني، في خضم اشتباكهم مع الآخر (الثورة التكنولوجية لوسائل الإعلام) الذي لم يعد بعيدا مكانيا وزمانيا في ضوء هذا التطور التكنولوجي الهائل، بحيث يتفادى الطفل أي اصطدام سلبي.
ودعت الناصر صاحبة مجموعة قصصية للأطفال (السيدة دجاجة تصبح أما) إلى الاهتمام بـ”الانتماء للهوية والثقافة والحضارة خاصة للأطفال الذين يعيشون خارج مجتمعاتهم وتتعرض هويتهم للمحو تدريجيا، وأن ينمي في الطفل القدرة على فهم الذات والتصالح معها؛ ليكون قادرا على التعامل الإيجابي ليس مع الآخر وحسب، بل مع مفردات الحياة التي يعيشها والوجود بمفهومه الكوني الواسع، وأن يكون قادرا على ممارسة مفاهيم الحب والتسامح والعطاء والخير والانصراف نحو كل ما هو جميل وإيجابي في الحياة”.
أما القاصة فلورا مجدلاوي، فتشير إلى أهمية الاعتراف الرسمي بأدب الأطفال ودوره الحيوي والمهم في إنشاء جيل واع مثقف متزن إيجابي واثق بنفسه وبهويته، قادر على مواجهة تحديات العصر، وأن يترجم هذا الاعتراف إلى سياسات رسمية لدعمه وتطويره تنفذ ويُعمل بها، ولا تبقى حبرا على ورق، أو شعارات لندوات أو احتفالات هنا وهناك.
وأكدت مجدلاوي أن ثقافة الطفل وأدبه قطاع مهمش، ويراه كثيرون “ترفا” ويصنف في ذيل الأولويات الوطنية الأدبية. مشيرة الى أن الأجندة الوطنية لم تخصص محورا خاصا بثقافة الطفل، وأدرج الموضوع الثقافي برمته في محور التعليم والتعليم العالي.
وتضيف مجدلاوي أن الأجندة الوطنية تطرقت إلى إنشاء مجلس أعلى للثقافة والفنون يشارك في إدارته القطاعان العام والخاص لرسم السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بأدب الطفل، إلا أن هذا لم يتحقق، ولم يلمس المجتمع له أثرا حتى الآن.
وتقول مجدلاوي “رغم مطالبة الكثيرين بزيادة الدعم المادي لهذا القطاع؛ فإن الدعم المادي وحده لا يمكن أن يحقق رفع مستوى الجودة إن لم ترافقه شراكة حقيقية بين العاملين في هذا المجال في القطاعين العام والخاص، في سبيل الربط بين تطوير أدب الأطفال وبين احتياجات الطفل الأردني ومتطلبات وأهداف التنشئة السياسية والاجتماعية في البلاد”.
وتعتبر أن تدني الجودة في كتاب الطفل العربي هو “انعكاس لتأخر العرب في شتى المجالات”، مشيرة إلى الاعتقاد الخاطئ بسهولة الكتابة للأطفال، من دون معرفة وافية بنظريات أدب الطفل، وخصائصه، وتاريخه، والتمكن من أدواته، أسهم إلى حد بعيد في تدني ما ينتج عربيا.
واستحضرت الكاتبة تأكيدا لأهمية “أدب الطفل” ما قاله الفيلسوف والأديب الكبير تولستوي عندما سئل لماذا لا يكتب للأطفال؟، فأجاب:”لم أصل إلى مستوى هذه العبقرية بعد”.
وألقت مجدلاوي صاحبة إصدار قصص الأطفال (سلسلة هند وسيف) اللوم على دور النشر التي تهتم بالتحرير اللغوي ويكون من خلال الكتاب نفسه، كما لا تمر الكتب بإجراءات التحرير الأدبي والفني وهي ما يوازي إجراءات ضبط الجودة في المصانع. وأشارت إلى مشكلة متصلة أيضا بقضية التسويق والتوزيع في العالم العربي؛ إذ يعتمد الناشر أو الكاتب على تسويق كتبه بنفسه معتمدا على علاقاته الشخصية لا على جودة الكتاب، مما يؤدي إلى الخلط بين أهداف أدب الأطفال والأهداف التربوية، فنجد أن الكاتب يحيك قصته لتلائم المعلمين أو أمناء المكتبات لا لتلائم احتياجات ورغبات الأطفال.
وتحدثت مجدلاوي عن مشاكل التسويق والتوزيع في العالم العربي، والمعاناة التي يعانيها الناشر لأدب الأطفال، مما يؤدي إلى خلط بين أهداف أدب الأطفال والأهداف التربوية، وخلصت إلى أن أدب الأطفال في العالم العربي يُعد حديث العهد نسبيا إذا ما قورن بأدب الأطفال العالمي.
وفي الأردن، فإنه لم يبدأ بتسجيل حضوره إلا في العقود الأخيرة من القرن المنصرم. وقد “سبقتنا أقطار عريية أخرى مثل مصر ولبنان والعراق في هذه التجربة”.
غير أنها تبين أن الجهود في هذا المجال، عربيا، ما تزال محدودة ومعتمدة على تجارب غير تراكمية متناثرة في القطاع الخاص، لا تجمعها رؤية واضحة أو هدف محدد، مع غياب واضح للنقد، وشبه انعدام الدراسات الأكاديمية والتحليلية والبيبليوغرافيا في هذا المجال، بالإضافة إلى حداثة وندرة تدريس هذا التخصص بأبعاده الأدبية، واللغوية، والاجتماعية، والفلسفية بشكل متكامل في جامعاتنا العربية.
في حين رأت القاصة تغريد النجار، أن الكتابة للطفل ليست عملية سهلة يستطيع أي أحد أن يخوض غمارها، فلابد لمن يريد الكتابة للأطفال أن “يمتلك الموهبة، ورابطا قويا مع عالم الطفولة ويمتلك المقدرة على فهم نفسية وخصائص المرحلة التي سيكتب لها”، مبينة أن أغلب من يكتبون للأطفال “لا يمتلكون الخيال أو ملكة لغة عالم الطفل”، وهناك كم هائل من المواضيع الضعيفة المكررة والمستهلكة.
وقالت النجار صاحبة قصة (من خبأ خروف العيد) “إن ما يساعد في انتشار مثل هذه الكتب أنها في بعض الأحيان تتخفى خلف رسومات جميلة وورق مصقول وطباعة أنيقة، وعند دراستها تجد أنها تفتقد لعناصر الإبداع في الطرح، هذا الإبداع الذي يلفت انتباه الطفل ويبقى في وجدانه ويصبح جزءا من ذاكرة طفولته”.
ودعت النجار إلى أن “يأخذ كل كتاب جديد سينشر حقه من الدراسة والمراجعة والتدقيق وأن يتأكد الناشر من أن الفكرة المطروحة فيها أسلوب جديد في الطرح وأن الكتاب سيضيف لأدب الطفل كل ما هو مميز”.

 azezaa.ali@alghad.jo

التعليق