"غريب عن عاداتنا"

تم نشره في الأربعاء 13 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً

الوصفة الأسهل للهروب من مواجهة أي مشكلة، وتسطيحها، تكمن في التعامل معها كحالة معزولة، لا تستوجب البحث الجاد عن جذورها، بل الاكتفاء بالعلاج السطحي الذي يتعامل مع الألم الآني دون المسبب.
فما إن تهز مجتمعنا فاجعة، حتى يتسابق كثيرون إلى توصيفها بأنها "غريبة عن عاداتنا"، و"دخيلة على مجتمعنا"؛ وبأن من قام بها هي "فئة مندسة".. إلى غير ذلك من العبارات التبريرية المكرورة، التي نعتقد أنها تكفينا مؤونة البحث عن حلول جذرية لها.
أسوق هذه المقدمة بين يدي الجريمة البشعة التي هزتنا، وذهب ضحيتها الزميل المرحوم الدكتور محمد أبو ريشة، أمام بيته وتحت نظر عائلته، على يد مجرم قيل إنه مدمن مخدرات.
ما الذي ننتظره حتى نسمي الأمور بمسمياتها؟ وكم من الضحايا مطلوب منا أن نقدم حتى نقتنع أننا أمام ظاهرة تستوجب المعالجة الجذرية؟ وهل علينا أن نكتب وصايانا ونودع أهلينا كلما غادرنا منازلنا متوجهين إلى أعمالنا، حتى ننزع عن هذه الظاهرة صفة "الغرابة"، وبالتالي نؤهلها لتحتل مساحة ما على أجندة صناع القرار؟
الاعتداء على الآخرين واستباحة دمائهم ظاهرة غريبة على كل الأنفس السوية، والمجتمعات المتحضرة. لكن ذلك لا يعني، بحال من الأحوال، الاكتفاء بتوصيفها، وعدم اتخاذ كل التدابير المتاحة من أجل الحد من انتشارها، وحماية حياة الأبرياء التي تشكل البند الأهم في بنود العقد بين المواطن والدولة، والذي تفقد الدول مشروعية وجودها في حال الإخلال به؛ إذ تتحول الدول إلى مستوطنات بدائية تسيّرها شريعة الغاب، حيث لا مكان للضعيف فيها إلا بين أنياب ومخالب القوي!لقد شهدت خلال سنوات عملي، العشرات من حالات الاعتداء على الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، لكن معظمها لم يتحول إلى شكوى، ولم يصل المحاكم. إذ يكفي أن تشهد مآل قضية واحدة، حتى تقرر الانسحاب ململماً جراحك، ليخرج المعتدي وقد أمن العقاب، باحثا عن ضحية أخرى. فعندما لا يكون لدى خصمك ما يخسره؛ لا من سمعته ولا من كرامته، تكون خسارتك محققة في أي قضية اعتداء يتم تحويلها في معظم الأحوال إلى "شجار".
لقد قرع الأستاذ جميل النمري الجرس قبل سنوات، من خلال رسالة قوية وواضحة وجهها للحكومة، محذرا من استباحة المجتمع من قبل بعض "الزعران" وأصحاب السوابق. وأورد العديد من الأمثلة التي تحول فيها الضحية إلى مذنب، يبحث عمن يخلصه من "ورطته"!
حتى رجال الأمن يبدون، في كثير من الأحيان، بلا حول ولا قوة أمام سطوة المعتدين وأصحاب السوابق، ويبادرون الضحية بنصحية مخلصة، نابعة من معايشتهم للواقع، بأن "اسحب شكواك أنت مش خرج بهدلة". كما أنهم هم أنفسهم ليسوا بمنأى عن الاعتداءات التي دفع العديد منهم حياته ثمنا لها.
لن ينقضي زمن طويل قبل أن تخفت أصوات المستنكرين، وينفض جمع المعتصمين، ويعود المضربون إلى أعمالهم، وتنسحب "بروفايلات" الحداد من مواقع التواصل الاجتماعي، ولتتواصل الحياة بانتظار حادثة جديدة، ستكون بالتأكيد "غريبة عن مجتمعنا وعاداتنا". لكن الأكيد، أيضا، أن الحياة لن تعود كما كانت بالنسبة لزهرات خمس فتية، فقدن الحضن الدافئ الذي طالما منحهن الشعور بالأمن والطمأنينة؛ تصفعنا أعينهن البريئة التي استوطنها الحزن وانكسار اليتم، بسؤال يكاد ينطق من شدة الصمت: "بأي ذنب قتل؟". وكذلك بالنسبة لجنين سيولد بعد أيام، وقد سقطت من قاموس مفرداته كلمة "بابا".
الترجمة الفعلية والمؤثرة التي ترتقي لدرجة بشاعة الجريمة، لا تتحقق إلا بمراجعة القوانين المهلهلة التي توفر الحماية للمجرمين، والعارفين بطرقها الالتفافية، على حساب المسالمين. ألم يعلمونا منذ الصغر أن "القانون لا يحمي.. المحترمين"؟!

*مدير عام مركز الحسين للسرطان

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا للعنف (عربي)

    الأربعاء 1 تموز / يوليو 2015.
    حضرة الدكتور المحترم : كل الاحترام لك وللمؤسسة الرائعة الراقية التي تقودها .
    كلامك قمة الصواب
    عندي اقتراح متواضع الى وزارة الصحة ونقابة الاطباء وهو : محاولة تعميم 20% من ثقافة ورقي الخدمة الموجودة في مركز الحسين للسرطان على باقي المستشقيات الحكومية واضمن لكم انتهاء ظاهرة العنف في جميع المستشفيات !!!!
  • »الإحباط (د سمير الصمادي)

    الجمعة 15 أيار / مايو 2015.
    شكرًا د عاصم لإثارة المشكلة ووضعها في قالبها الحقيقي و أودّ ان أضيف انه لم اجد فرق قانوني بين الاعتداء على الطبيب و هو على رأس عمله و مشاجرة البلطجية في الشوارع و الحانات حيث ان على الطبيب المعتدى عليه ان يذهب للمحكمة و يقوم بتوكيل محامي على حسابه الشخصي اذا أراد المضي بالشكوى ومن ثم الوقوف على قدم المساواة امام القضاء مع المعتدي ولمدة قد تطول الى سنوات و بالتالي يجد الطبيب نفسه يحارب لوحدة ضد الواسطات والجاهات والزعران والقضاء الممل والوقت الضيق فيفضل الانسحاب وانا أتكلم من خبرة زملائي وما حصل معهم ......السؤال المطروح هل هناك فرق بين من يعتدى عليه وهو على رأس عمله او اذا كان في الشارع !!!؟ الجواب قد يكون هناك فرق بالحكم القضائي النهائي لكن الإجراءات التي يجب على الطبيب المعتدى عليه ان يقوم بها وحده في المحكمة و دون عون او مساعده من مؤسسته هي نفسها لذلك اعتقد ان على المؤسسة التى ينتمي اليها الطبيب ان تقوم بالإجراءات القضائية من خلال مستشاريها القانونين ولا تدع طبيبها في مهب الريح يقارع البلطجية والزعران ويقف امام المحكمة علىً قدم المساواة معهم .....أين دور المؤسسة في حماية طبيبها؟؟؟؟
  • »245 89st brooklyn,ny (kiamil banibaker)

    الخميس 14 أيار / مايو 2015.
    I agree with Dr.Asem 100% this problem have around for long time and the government is ignorant ,they didn't take any action or measures to control this domestic violent against the doctors,the government even as aside makes it worse by stepping which gave the those criminals confidence of getting away with there crimes.I really believe that minimum penalty should the execution for this Keller in order to control this issue.my worm condolences goes to the family and may allah accept him in the higher ferdos and bless his family ameen.
  • »اناشد الشرفاء قراءة قضيتي (أبو جعفر)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2015.
    انني مواطن أدفع الضرائب للدولة وابذل قصارى جهدي في خدمة الوطن ولكني للأسف لم أحظى بان أكون ابن عشيرة ، انني مجبر على نقل ابني المتفوق من مدرسة الى اخرى وذلك لتعذر المدرسة حمايته من الاعتداء من ابناء اصحاب المتنفذين ، كما انني مضطر لمغادرة البلاد لاستثمار آمن خوفاً من البلطجية المتنفذين بقوة لم اتخيلها .
  • »كلام جميل ... (ابو عبدالله)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2015.
    ما تفضل به الدكتور الفاضل كلام صحيح وواقعي مائه بالمائه ...
    يحدث وحدث كثيرا ان يعتدى احد (البلطجيّة) - كما سيمونهم في مصر - (الزعران) على رجل محترم ومعروف بذلك وحين يتقدم لشكوى للشرطة او المدعي العام يقوم (المعتدي) بتقديم (شكوى مضادة) - كيديّة -بعد ان يقوم بضرب نفسه واحداث اضرار بسيطة والحصول على تقرير طبي يثبت ذلك ، ليتم بعد ذلك اكمال فصول (المسرحيّة) السخيفة ويطلب من الطرفان ام الصلح والتنازل او الحجز التحفظي تمهيدا للعرض على القضاء وهذه (الدراما) تنفع في معظم الاحيان وتكون كفيلة لتخليص (المجرم) من جرمه ومن العقاب ، ليعود ويكرر القصة من جديد مع ضحيّة اخرى ولكن بسيناريو وتفاصيل جديدة اخرى ...
    لا ادر اين المشكلة ...؟؟؟ في القانون واجراءات الامن (السريعة) للتحفظ على المعتدى قبل ترك مجال له للابداع والتفكير بالطرق ...؟؟؟ ام في اجراءات التقاضي ومساواة الصالح بالطالح ...؟؟؟ ام في طيبة وسذاجة المعتدى عليهم ورغبتهم في الخلاص من اعباء وتبعات اجراءات التقاض الطويلة والمملة ...؟؟؟
    هناك خلل ، نعم ، لايمكن ان يكون القانون عونا للجاني ودافعا له للاستمرار بالتماد والاعتداء على ارواح وممتلكات الغير بكل هذه السهولة والسذاجة ...
  • »السبب فنجان القهوة (ماجد البدريــه)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2015.
    للأسف كما أشرت يا دكتور بأننا ندفن أحزاننا وندعي النسيان حتى لا نسأل أنفسنا عن المبررات ,كنت أود ان تذكر ضمن المقال، كم من مواطن تم تهديده بأن ديته فنجان قهوة
    ويتم اجبار اهل المغدور على التنازل عشائريا