فرّق تسُد

تم نشره في الاثنين 18 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • فلسطيني يستهدف دورية إسرائيلية بمقلاع خلال مرورها بجوار الجدار الفاصل -(ا ف ب)

معاريف

كرني الداد

17/5/2015

الأكثر قداسة، الأكثر حبا، الأكثر كراهية، الأكثر اشكالية من أي مدينة أخرى في العالم، تهز القدس من يدخل أبوابها وتلزمه بأن يضعها على الطيف الذي بين "برميل البارود" و "راحة النفس".
هذه ليست مدينة مختلطة بالمعنى الدارج للكلمة، الأحياء فيها ملونة ومصنفة بدقة. هذه عربية، هذه حريدية، هذه دينية قومية، هذه علمانية. حينما كتبت نعومي شيمر قصيدة "في قلبها سور" كانت تقصد سور البلدة القديمة، ولكن في العام 2007 بني جدار اضافي في المدينة هو جدار الفصل الذي يُخرج فعليا عشرة أحياء عربية خارجها. سكان هذه الأحياء يحملون بطاقات الهوية الزرقاء، "الخط الازرق" الذي يرسم حدود المدينة يحيط بهم من جهة وجدار الفصل من الجهة الاخرى.
يعيش اليوم في العاصمة 840 ألف شخص، ضعف سكان تل ابيب ويافا. كانت القدس مقسمة مدة 19 سنة منذ عام 1948 وحتى حرب الأيام الستة. بعد تحرير المدينة بأسبوعين رسمت حدودها وتم ضم شرقي المدينة. سكانها فلسطينيو 48 حصلوا على مكانة "ساكن"، أي لهم جميع الحقوق الاسرائيلية باستثناء الترشح والانتخاب للكنيست، وعندما فك الارتباط في عام 1988 وجد سكان القدس أنفسهم بدون مواطنة.
كانت المعايير التي اعتمدتها لجنة وضع الحدود هي: أكبر قدر من الاراضي وأقل ما يمكن من السكان الفلسطينيين، سيطرة استراتيجية عن طريق الحصول على الاراضي وانشاء مطار دولي. هذه المعايير الاربعة خلقت خط حدودي ملتوٍ وغير طبيعي، ومختلف عن مدن اخرى تتطور من المركز الى المحيط.
رغم محاولات ضم أكبر قدر ممكن من الاراضي مع أقل قدر من السكان، إلا أن عدد الفلسطينيين في المدينة قد ازداد بـ 24 بالمائة. ومنذ أن تم ضم المدينة تجري محاولات لتشجيع الهجرة اليهودية الايجابية الى القدس، مع هجرة فلسطينية سلبية. لكن هذا التوجه لم ينجح، والفلسطينيون اليوم يشكلون نحو 40 بالمائة من سكان المدينة.
منذ توحيد القدس تحول البناء فيها إلى أداة سياسية قومية، فقد أقيم 16 حيا لليهود. الفلسطينيون لم يقفوا مكتوفي الأيدي، ومن الوثائق التي ضبطت في بيت الشرق تبين أن دول الخليج دفعت ملايين الدورات لتمويل البناء في القدس بشكل قانوني وغير قانوني.
هذا الواقع، العيش بين الخطوط، أوصلنا إلى أمرين: جمعية "عير عميم" اليسارية، و"آريه كينغ" عضو مجلس بلدية القدس ورئيس حركة القدس الموحدة، من اليمين. "نحن نلعب الغواصات مع العرب". قال الداد، وهو مرشد من قبل "عير عميم" أخذنا في جولة في شمال المدينة، "خلقنا مشكلة لا حل لها، ولا يمكن تقسيمها".
الموقع الذي تم اختياره لوضع الأحياء اليهودية ليس صدفيا، وهو يهدف إلى الحفاظ على القدس موحدة ويُصعب تقسيمها. وقد أقيمت الأحياء اليهودية بين القرى الفلسطينية من اجل منع التواصل الجغرافي في القدس. اضافة الى ذلك، القانون الذي قدمه البيت اليهودي في الكنيست الاخيرة، يلزم بوجود أغلبية 80 عضو كنيست من اجل الحديث عن حدود المدينة.
كان الهدف المعلن لبناء جدار الفصل أمني: منع دخول النشطاء إلى داخل المدينة ومنها الى منطقة المركز. الجدار مبني من الاسمنت ويبلغ ارتفاعه 6 – 8 أمتار ويمتد على طول 168 كيلومترا من هار أدار في الشمال وحتى غوش عصيون في الجنوب، وهو يمر من بين عشرة أحياء فلسطينية ويفصلها عن المدينة.
اضافة الى المشاعر الصعبة التي يخلقها الجدار، فإن تأثيره على الحياة اليومية كبير جدا، فقد تحولت هذه الأحياء إلى مناطق خارج السيطرة الاسرائيلية وتطبيق القانون، والشرطة لا تصل تقريبا الى هناك، والجريمة في تزايد وعائلات الإجرام تسيطر على الاراضي وتبني بشكل غير قانوني. محطات المخدرات مفتوحة دون أي مضايقة في وسط الاحياء. "إنهم يبيعون المخدرات في الشارع مثلما يبيعون الشوكولاتة"، قال لنا أحد السكان.
أحد الاحياء المعروفة والموجودة خلف الجدار هو مخيم شعفاط (يجب التفريق بين مخيم شعفاط وبين منطقة شعفاط). قصة اقامة هذا المخيم تُعيدنا الى العام 1964 حيث خططت في حينه زيارة للبابا بولص الثالث في الاردن وفي شرقي القدس.
تقرر اقامة مخيم اللاجئين بالتعاون مع وكالة الغوث بعيدا عن أعين البابا في شمال المدينة. وبعد ذلك بثلاث سنوات وبعد أن تم تحرير المدينة ووضعت حدودها، أصبح مخيم شعفاط داخل هذه الحدود. لماذا بقي مخيم شعفاط داخل حدود المدينة؟ هناك عدة اعتقادات: يمكن أن ضغط الوقت سبب هذا الخطأ، ويمكن أن المستطلعين الذين أرسلتهم الحكومة وقفوا في المنطقة ولم يلاحظوا وجود المخيم. وسواء كان هذا أو ذاك فإن الأمر أصبح حقيقة قائمة. يوجد مخيم لاجئين (وهو ليس الوحيد) في القدس، يحمل سكانه بطاقات الهوية الزرقاء ويحصلون على جميع الخدمات البلدية حسب القانون. اضافة الى ذلك فإن النسبة الأكبر من فلسطيني 48 موجودة في هذا المخيم.
"أعتقد أن بنيامين نتنياهو تصرف بحكمة عندما فعل في القدس ما فعله اريئيل شارون في خطة الانفصال"، يقول آريه كينغ. ويضيف أن اقامة الجدار يشكل مختلف عن الخط الازرق تعني الانسحاب أحادي الجانب. وحسب زعمه فان بيبي يُقسم القدس فعليا.
كينغ الذي يحارب البناء غير القانوني في المدينة يصطدم بآذان صماء عند مطالبته تطبيق القانون في هذه الأحياء. وقد توجه الى المحكمة وأثبت أن الشرطة لا تطبق القانون. "بعد عشر سنوات من عدم تطبيق القانون، اعترفت الشرطة أنها تخاف"، كما قال.
كما هو معروف، لا يوجد فراغ في العالم، وعندما خرجت الشرطة الاسرائيلية من هذه الاحياء، دخلت الشرطة الفلسطينية. في فيلم كان قد أُرسل الى كينغ من كفر عقب التي تقع بالقرب من المنطقة الصناعية عطروت، تظهر الشرطة الفلسطينية وهي تدخل أحد المنازل داخل الحي من اجل جباية الضرائب.
القوي هو الذي يعيش
الخدمات البلدية الاساسية مثل ازالة القمامة، البريد، اصلاح الشوارع، المياه، الكهرباء والمجاري غير موجودة في هذه الأحياء، حاويات القمامة محترقة وتشهد بأن الخدمات الأساسية مثل ازالة القمامة لا تتم خلف الجدار. هذه جنة عدن للمافيا وتجار السلاح والمخدرات.
"اليوم توفي طفل عمره 10 سنوات من المخدرات"، قال بهاء نبابتة، ممثل لجنة ضاحية السلام ورأس شحادة ومخيم شعفاط للاجئين. "بشكل عام من الصعب تصور ولد نشأ هنا بدون المخدرات وبدون العنف. فما هي فرصة ألا يكون خارج على القانون؟ عندنا القوي فقط هو الذي يعيش، لا يوجد قانون ولا توجد شرطة". في الاشهر الثلاثة الاخيرة قتل أربعة اشخاص من اصحاب المحلات من قبل منظمات الجريمة المحلية. "لا توجد ليلة بدون اصوات الطلقات من ام 16" يقول نبابتة. "العائلات تقوم بتصفية بعضها البعض. هذه أصعب من الجواريش في الرملة".
اذا كان الحال صعب لهذه الدرجة لماذا تبقون هنا؟ يقول نبابتة لانه لا توجد اماكن بناء في القدس، ينتقلون الى هنا ويبنون بشكل غير قانوني، "100 – 150 الف شيكل ثمن الشقة". ولا توجد امكانيات اقتصادية للفقراء الذين يعيشون في المخيم من اجل الانتقال لمكان آخر.
محاولة التنازل عن السكان في هذه الاحياء عملت بشكل عكسي، من يستطيع ان يترك ولديه القدرة الاقتصادية دخل الى داخل المدينة واشترى او استأجر شقة كانت حتى وقت قصير تعود لليهود، مثل بسجات زئيف والتلة الفرنسية، والبيوت التي تركت يسكنها اليوم فلسطينيين سكان الضفة.
يتفق الجميع من اليمين واليسار على أن محاولة اساءة ظروف السكان الفلسطينيين من أجل ترحيلهم قد خلقت مشكلة دمغرافية، والهجرة السلبية المتواصلة هي للسكان اليهود، والفلسطينيون لا يتركون، بل على العكس، من يستطيع يدخل الى داخلها. "السكان يريدون العودة الى فترة ما قبل بناء الجدار"، كما يدعي كينج، "كان من الخطأ عدم محاربة الظاهرة، اليوم من يستطيع يهاجر لداخل المدينة".
ومن أجل تعقيد الصورة اكثر اليكم ما يلي: نصف عدد الفلسطينيين الـ 320 الف في القدس قدموا طلبات للحصول على الجنسية الاسرائيلية، كينج يؤيد منحهم مواطنة كاملة. وان تكون السيادة الاسرائيلية على الاحياء الفلسطينية كاملة. "انهم هنا بجميع الاحوال" يقول "ما هذا الهراء".
سياسة القهر ليست انسانية، يتفق على ذلك الطرفان، وهي تعمل ضدنا "اذا وضعت حيوان في قفص، فهو يريد الخروج، فما بالكم بالانسان"، يقول كينج "نحن السبب في هذا الكراهية، في العملية الاخيرة التي قتل فيها شالوم يوحاي زكري، كان القاتل من سكان مخيم شعفاط، يبدو أنه تعرض للاهانة على الحاجز امام والدي زوجته. وعندها، بعد أن أوصلهم عاد وقتل، نحن ندفع ثمن كبير بسبب هذه الاخطاء".
بعيد عن العين
اللجنة التي حددت حدود القدس، وطلبت بناء مطار دولي، شملت كفر عقب. هنا ايضا يقسم الجدار القدس عن احد احيائها". بعد شعار بيريز يقسم القدس بعشر سنوات، والذي تسبب بفقدان حزب العمل السلطة، قام شارون بتقسيمها"، يقول الداد من عير عميم. "اذن كيف نتنازل عن هذا؟ ببساطة ما هو بعيد عن العين، بعيد عن القلب".
في اليسار واليمين متفقون ان تراجع الاعمال المسلحة لم يكن بسبب الجدار الفاصل، في عير عميم يثبتون ذلك من خلال حقيقة أن الجدار في القدس غير مكتمل، وفي اليمين يقولون ان تراجع هذه الاعمال حدث في نفس الوقت على جانبي الجدار وبسبب الاستخبارات، وعملية السور الواقي ومصالح فلسطينية داخلية، توجه آخر وليس مرتبطا بالضرورة بالجدار، هو ازياد العمليات المرتبطة بنشطاء مقدسيين: هنا يوجد تأثير بسيط لابو مازن ومصلحته السياسية.
"ان عدم هدم بيوت النشطاء في عملية هار نوف هو السبب في استمرار العمليات، عندما يرى الفلسطينيون أن لا أحد يعاقب، لا يوجد ردع. هذه هي مشكلتنا في القدس"، يقول كينج ويتطرق لما حصل في حي شعفاط بعد استشهاد الشاب محمد ابو خضير، حينها حصلت الشرطة على أوامر العمل بيد من حديد، مر وقت طويل، ولكن في النهاية يوجد هناك قانون"، يقول كينج "أين يمر الخط الاحمر؟ من ناحيتي يجب أن يكون هذا الحدود البلدية للقدس".
في عير عميم ايضا يتحدثون عن شعفاط حيث احرقت محطات القطار الخفيف وبقيت كذلك لمدة عام، يتحدث كينج عن عدم فهم العقلية الفلسطينية عند علاج المشكلة: "اذا كان هذا فعل عقابي فمن الافضل ان لا يقف القطار في المحطات التي احرقها هؤلاء، لكنه يتوقف. وبسبب احراق ماكينات التذاكر فانهم يسافرون بدون دفع، هذا ليس عقابا، هذا ببساطة عدم اتخاذ قرار".
"لا يهمني من يسيطر هنا، السلطة الفلسطينية أو اسرائيل"، يقول نبابتة، قد يكون بجدية او بشكل استفزازي" نحن مثل المريض الذي ينتظر العملية ويعطوه اكامول، اذا كنتم لا تريدونا اعطونا للسلطة".
بعد دقيقة يتراجع نبابتة ويقول انه يريد ان تقوم الشرطة الاسرائيلية بفرض النظام في الحي "اذا جاءت الشرطة ثلاثة أو اربعة مرات في اليوم، في البداية ستحدث فوضى، وبعدها يعتاد السكان".
"نحن نعطيهم الشعور انه لا يوجد ما يخسرونه"، يقول كينج "لا توجد في احيائهم ملاعب كرة سلة أو كرة قدم، لا توجد مراكز ترفيه، بريد أو بنوك، في عناتا اقترح اصحاب الاراضي اليهود تأجير الارض للبلدية بثمن رمزي، من أجل بناء مراكز ترفيهية. ولم يتم ذلك حتى اليوم. نحن نبث ضعفا وهذه وصفة للارهاب".
على العكس من كينج، الذي يطالب بالسيادة الاسرائيلية على الاحياء وراء الجدار، فإن عير عميم تطالب بتقسيم المدينة بهذا الشكل أو ذاك، وتعتبر البناء اليهودي في القدس عقبة، "نحن بانتظار اليوم الذي تستأنف فيه محادثات السلام. ونصل إلى طاولة الحوار بأيدي نظيفة، لذلك ممنوع أن نبني في القدس الشرقية، وما نفعله اليوم هو كمن يطلق النار على قدميه".

التعليق