كامب ديفيد: قمة لم تذهب إلى أي مكان

تم نشره في الاثنين 18 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً
  • باراك أوباما أثناء اجتماعه بوفود الدول الخليجية في قمة كامب ديفيد قبل أيام - (أرشيفية)

دوف زاكهايم - (فورين بوليسي) 15/5/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

اختتمت اجتماعات قمة كامب ديفيد يوم الخميس الماضي بكومة من التأكيدات التي قدمها الرئيس باراك أوباما لممثلي دول الخليج العربية، على أن أميركا تقف إلى جانبهم ومن ورائهم. ومن إجل إثبات نواياه، وعد الرئيس ببيعهم أسلحة أكثر وأفضل، إلى جانب زيادة فرص التدريب والتمارين العسكرية لقواتهم مع قوات الولايات المتحدة. وقد استجاب العرب الذين تصرفوا بكياسة تجاه مضيفهم بالتعبير عن الشكر والامتنان. لكنه لا يبدو أن انعدام ثقتهم الأساسي بدوافع الإدارة الأميركية قد تغير. ولم يتحدث أي من المتحدثين باسمهم عن دعم واضح لاتفاق الإطار، الذي تفاوض عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع الإيرانيين، مدعوماً بزملائه في مجموعة (5+1). وبينما يواصل زعماء الخليج في العلن اعتناق نهج الانتظار والترقب، فإنهم يظلون أقل حذراً بكثير في السر إزاء التعبير عن استيائهم من الاتفاق.
في واقع الأمر، أثبتت قمة كامب ديفيد مرة أخرى ما كان الكثير من المراقبين قد أدركوه منذ بعض الوقت: نتيجة لتودده الدؤوب لإيران، حقق الرئيس أوباما شيئاً كان قد استعصى على كل أسلافه. لقد جلب العرب والإسرائيليين معاً -في عدم الثقة بالولايات المتحدة. والتفسيرات البلاغية التي عبر عنها الناطقون باسم الإدارة لتبرير غياب أربعة من قادة دول مجلس التعاون الخليجي الست، ظلت تتردد جوفاء في وجه شكوك عرب الخليج المستمرة بأن واشنطن عازمة على التوصل إلى اتفاق مع إيران بأي ثمن. وفي هذا السياق، تعكس وجهات نظرهم بالضبط وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -سوى أن العرب، كما أوضحوا في قمة كامب ديفيد، هم أكثر حذقاً بكثير. إنهم سيستمرون في الاعتماد على الزعيم الإسرائيلي لحمل قضيتهم، واثقين من أن نفوذه في الكونغرس يبقى أكبر من نفوذهم بما لا يقاس.
لم يكن الأمر أيضاً أن القادة العرب الذين حضروا قمة كامب ديفيد فعلوا ذلك بدافع الدعم لما يبدو أنه جهد يبذله الرئيس لاستعادة مكان إيران في المجتمع الدولي. لقد حضر أمير قطر في جزء ليس بالقليل لأن وجود قوات عسكرية ومرافق أميركية في بلاده، خاصة قاعدة العديد الجوية مترامية الأطراف، يضمن لها درجة من الحماية من إيران. وحضر ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، رغم عداء الإمارات العربية القائم منذ وقت طويل لإيران، لأنه يعلم أن علاقة بلده القوية جداً مع الولايات المتحدة تظل أكثر ديمومة وستتجاوز فترة إدارة أوباما في الحكم. ويحتمل كثيراً أن يعمد رئيس جديد إلى عكس وجهة ما تراه الإمارات العربية المتحدة سياسة خاطئة جداً بشكل خطير تجاه إيران.
ثمة سوء فهم واسع النطاق، تغذيه إلى حد كبير معارضة رئيس الوزراء الإسرائيلي الصاخبة لإبرام اتفاق مع إيران، وهو أن إيران نووية ستكون مشكلة إسرائيل في المقام الأول. وقد أوضحت ردة فعل العرب على كامب ديفيد أن هذا ليس هو واقع الحال. إن إيران تشكل تهديداً أكبر بكثير لدول الخليج مما تشكله بالنسبة لإسرائيل. ومن غير المرجح أن يوجه الملالي الحاكمون في طهران ضربة ضد إسرائيل. وتعرف طهران أن دفاعات إسرائيل الصاروخية متعددة الطبقات تكفل أن يكون هناك في أفضل الأحوال احتمال قليل لتمكن سلاح إيراني من ضرب الدولة اليهودية. ومن جهة أخرى، هناك احتمالية بنسبة 100 في المائة لإطلاق إسرائيل ضربة انتقامية هائلة وناجحة ضد إيران. ويمكن لمثل تلك الضربة، وما قد يعقبها من تعطيل الحياة اليومية الإيرانية، أن يؤذنا بانهيار النظام، وهو ناتج يريد آيات الله تجنبه بكل تأكيد.
على النقيض من إسرائيل، يواجه عرب الخليج نوعاً مختلفاً من التهديد الإيراني، والمتمثل بالتحديد في الجهود الإيرانية الحثيثة لتحقيق الهيمنة الإقليمية. وقد تمكنت طهران، حتى مع ظروفها الاقتصادية الصعبة، من توسيع نفوذها في العراق واليمن، بينما تحتفظ أيضاً بمكانتها في لبنان وتذهب لنجدة حليفها السوري المحاصر، الرئيس بشار الأسد. ويخشى عرب الخليج من أن يعمل إبرام اتفاق مع طهران، والذي يفضي إلى الإفراج المبكر عن الأصول الإيرانية المجمدة منذ وقت طويل في المصارف الغربية، على تزويد البلد بالمزيد من الأموال ليعيث فساداً في المنطقة، خاصة في المناطق التي تتواجد فيها أغلبيات شيعية في العراق والبحرين، وفي المحافظات الشرقية للمملكة العربية السعودية.
بالإضافة إلى ذلك، تتقاسم الدول العربية السنية اعتقاد إسرائيل بأن اتفاقاً بين مجموعة (5+1) وإيران سوف لن يكبح إيران عن مواصلة سعيها إلى تحقيق طموحاتها النووية. وسوف تتمكن إيران نووية من الهيمنة على المنطقة -إلا إذا عمد السعوديون، والإماراتيون والمصريون وآخرون إلى امتلاك قدرات الأسلحة النووية الخاصة بهم. وكان الملك السعودي سلمان قد ألمح تقريباً إلى أنه يخطط لفعل ذلك بالضبط؛ ولن تتخلف دول الخليج الرائدة الأخرى كثيراً وراء ذلك.
عرضت الإدارة الأميركية زيادة مستوى ونوعية الأسلحة التي ستبيعها لعرب الخليج، كما لو أن ذلك قد يطمئنهم. ولا يمانع الإسرائيليون في ذلك، بما أن الإدارة ستحافظ على "تفوقهم النوعي"، ما يعني أن للقدس الآن مصلحة كبيرة في امتلاك العرب نظم أسلحة من الطراز الأول. لكن مثل هذه الرشوة لن تطمئن إسرائيل ولا العواصم الخليجية في نهاية المطاف، لأن طبيعة التهديد الإيراني ليست تقليدية.
ما يزال هناك متسع من الوقت أمام الكونغرس لرفض الاتفاق الذي لا مفر منه مع إيران. وسوف يستخدم الرئيس حق النقض "الفيتو" ضد أي عمل للكونغرس من هذا القبيل بطبيعة الحال، لكن إلغاء الاتفاق يظل احتمالاً ممكناً إلى حد كبير. ولن يكون الإسرائيليون وعرب الخليج هم الوحيدون الذين سيستفيدون من مثل هذا الإلغاء: كذلك سيفعل الشعب الأميركي الذي ربما يضطر بخلاف ذلك إلى مواجهة إيران أكثر هيمنة وقوة، والتي لن تكون أهدافها مجرد تدمير إسرائيل والإطاحة بالأنظمة العربية السنية، وإنما طرد "الشيطان الأكبر" من الشرق الأوسط أيضاً، مرة وإلى الأبد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Summit to nowhere

التعليق