كيف يكون القضاء مستقلا؟

تم نشره في الاثنين 18 أيار / مايو 2015. 12:03 صباحاً

مع أنني لست رجل قانون، إلا أنه يحق لي، كفرد في المجتمع الخاضع لسلطة القضاء، التحدث في هذا الموضوع من هذا البعد. وأرجو أن يتسع صدر رجال القانون (القضاة والمحامون) لذلك.
أبدأ كلامي فأقول: إن دور القضاء/ القضاة الوحيد أو المقدس، هو منع المس بالعدالة؛ لأن القضاء عاصمة العدالة التي يلجأ إليها المظلومون والمدّعون بالحق. ويأتي المس بالعدالة من القاضي نفسه إذا لم يكن ملتزماً قاطعاً ثابتاً بها، حتى وإن سقطت السماء على الأرض. ومن عدم رفضه التدخل الخارجي في إجراءاته وقراراته من السلطة التنفيذية أو التشريعية، أو القوى السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية، أو حتى الدولية.
ولكي يتمكن القضاء من منع المس بالعدالة، يجب أن يكون مستقلاً تمام الاستقلال عن السلطتين السابقتين وعن تلك القوى. ويستقل القضاء/ القضاة ويسمو عليهم، بالطرق التالية؛ منفردة ومجتمعة:
أولا: باختيار طلبة كليات الحقوق من الشخصيات السوية القوية الملتزمة بقيمة العدالة في نشأتها وتربيتها وتعليمها، وليس من المقبولين حسب المعدل فقط أو بالاستثناء. ويمكن استخدام الفصل الدراسي الأول للتأكد من صلاحية الأشخاص للعمل في سلك القضاء؛ قضاة ومحامين.
ثانياً: بالإعداد التعليمي والتدريبي الحقوقي الراقي العمودي والأفقي، بحيث يعزز قيمة العدالة واستقلال القضاء.
ثالثاً: بنظام خدمة مدنية خاص بالقضاة، يحميهم من العوز، ويحصنهم ضد التدخل الخارجي في إجراءاتهم وقراراتهم. فعندئذ لا يحتاج القضاة إلى التزلف للسلطة التنفيذية لما يتمتعون به من حصانة، ولا إلى السلطة التشريعية التي يستطيعون الطعن في قوانينها إذ كانت منطوية على مخالفة للمبادئ العليا أو الدستورية أو غامضة اللغة أو قابلة لشتى التفاسير والتأويلات. فالجميع  يدعون إلى حكم القانون، ولكن القانون في النهاية هو ما يقرره القضاة.
رابعاً: باختيار القضاة من بين أقوى المتقدمين للقضاء؛ فهماً وعلماً والتزاماً (يتم ذلك بالانتخاب في كثير من الولايات الأميركية، وبالتعيين مدى الحياة كما في قضاة محكمة العدل العليا).
خامساً: بإمكانية الاستئناف على القرارات القطعية إذا تبين وجود أخطاء مادية، أو تضليل أو فساد فيها.
سادساً: بحرية الإعلام القضائي في التعقيب على إجراءات القضاء وقراراته، كيلا يخترقه الفساد ويتمأسس فيه، وتطلع رائحته والأفواه مكممة.
سابعاً: برسوم قضاء ومحاماة عادلة معقولة محتملة، لا تحول القضاء لصالح الغني على حساب فقير، كما هي الحال في أميركا؛ حيث القضاء في خدمة الشركات الكبرى و"وول ستريت" والحزب الجمهوري.
إن للقضاء العادل أهمية حاسمة في الضبط والربط والسلام والوئام في المجتمع؛ فلا يتأثر بالمنبت أو بالدين والطائفة، أو بالجهة، أو بالجنس، أو بالجنسية. لكن دوره يأتي بعد فشل سلطات الضبط والربط أو التنشئة والتربية والتعليم السابقة له، بدءاً من الأسرة، فالروضة، فالمدرسة، فالجامعة فالجامع (دور العبادة) والنقابات المهنية ونقابات العمال، والأحزاب، والنوادي، ومؤسسات المجتمع المدني كافة، والرأي العام. فدور القضاء يبدأ عندما تفشل مصادر الضبط والربط هذه في أداء واجباتها ومهامتها.
وبما أن لكل قضية منظورة أمام القضاء ملف ينمو ويكبر مع كل جلسة وكل تأجيل، وقد يستمر ذلك شهراً أو أشهراً أو سنة أو سنوات، فإنه يجب على القاضي/ القضاة المعنيين قراءته أولاً بأول، ثم جملة وتفصيلاً، قبل اتخاذ القرار؛ سواء أكان الملف ورقياً أم رقمياً مسجلاً أولا بأول ومحتفظاً به في نهاية كل جلسة مع القاضي. ولذلك، نرى أنه إذا استغنى العالم كله عن القراءة، فإن القاضي لا يستغني عنها، لأن ملف أي قضية ليس رسالة نصية قصيرة (SMS) يلمحها القاضي بعينه ثم يقرر.
إن القضاء الصارم العادل هو أحد أهم عوامل جذب الاستثمار الخارجي، لأن لا أحد مستعد لرمي ملايينه في بلد القضاء فيه غير عادل وغير منصف، مهما كانت عوامل الاستثمار الأخرى فيه جاذبة. قد يضارب بالأسهم ويفر عندما يكتفي بما حصل عليه منها، كما فعل جورج سوروس في ماليزيا وغيرها، ولكنه لا يستثمر في مشروعات طويلة الأمد أو باقية.

التعليق