مروان المعشر

سميح دروزة: رمز للإبداع ونظافة اليد

تم نشره في الثلاثاء 19 أيار / مايو 2015. 11:07 مـساءً

في العام 1976، تعرفت إلى الصديق الغالي سعيد دروزة، إذ كنا ندرس سوية في جامعة بردو في الولايات المتحدة، ونشأت بيننا صداقة متينة إلى يومنا هذا. وقد أخبرني سعيد حينئذ كيف أن والده أسس للتو، مع بعض الأصدقاء، شركة صغيرة للأدوية في الأردن، برأس مال متواضع لم يتجاوز نصف مليون دينار، إن لم تخني الذاكرة. وعرفني سعيد إلى والده عقب عودتنا كلينا إلى الأردن بعد ذلك ببضع سنوات. ومنذ ذلك الوقت وأنا أرقب بإعجاب كيف نمت شركة "أدوية الحكمة" بثبات، حتى باتت اليوم مدرجة في سوق لندن للأسهم، وهي إحدى أكبر مائة شركة في تلك السوق، وبقيمة تزيد على أربعة آلاف مليون دينار أردني حالياً.
لم يحقق سميح دروزة ذلك بسبب أموال النفط، ولا بارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، بل حققه باعتماد الإنتاجية والابتكار، وتدريب وإعداد الكوادر الفنية والإدارية، ثم الوثوق بها وتسليمها المسؤولية اللازمة لتطوير الشركة وتحقيق هذا النجاح الأسطوري. كل ذلك بجهد لا يكل، وبنظافة اليد. ومن ثم، فليس صحيحا أن شركة صغيرة في بلد صغير غير نفطي، لا تستطيع بالكد والعمل واعتماد الإنتاجية، أن تصل إلى درجة منافسة الشركات العالمية، ولتكون الشركة الأردنية الوحيدة المدرجة في سوق لندن للأسهم.
كم هي كبيرة الدروس التي علّمنا إياها أبو السعيد؛ فليس النجاح المالي هو الدرس الوحيد، أو حتى أهم تلك الدروس. إذ إن كل من كان يعرف سميح دروزة كان يدرك مدى تواضعه طوال حياته. لم ينل المال منه أبدا، بل كان يعطي منه، على الدوام، بسخاء ومن دون ضجة. كان يؤمن بالتعليم أساسا للنجاح، فأوفد العديد من موظفيه ليتعلموا في الخارج، وليعودوا ويستلموا مناصب إدارية في الشركة من دون أن يستأثر باتخاذ القرار، كما يفعل العديدون. وأعطى بسخاء للمؤسسات التعليمية في الأردن والوطن العربي، من دون ضجة إعلامية ولا سعي إلى مجد زائف. وكانت الجامعة الأردنية، وجامعة بيرزيت، والجامعة الأميركية في بيروت، وغيرها الكثير، ممن دعمها بسخاء. وقبل مماته، وهب سميح دروزة الكثير من ماله لمؤسسة تحمل اسمه، لتواصل عمله الدؤوب لخدمة مجتمعه، في خطوة لا يفعلها الكثيرون في بلادنا.
منذ أكثر من ثلاثين عاما وأنا شاهد على إيمانه بالجيل الجديد. وقد ظل يدرب ويسلم الشركة تدريجيا ليس لابنيه سعيد ومازن فقط، بل أيضا لكادر طويل صرف على تعليمه بالكامل؛ فكانت النتيجة أن كبرت الشركة بسبب نظره الثاقب، كما بسبب إيمان العاملين فيها وولائهم لها.
لا أشعر أننا نعطي قصص النجاح في بلدنا ما تستحق من تقدير، لكأن حالنا هي الاعتقاد بأن الإقرار بنجاح أحدنا هو انتقاص من قدراتنا، وكأن نجاح الفرد يعني فشل الآخر! الاحتفاء بالنجاح تعظيم للقيم الواجب زرعها في النشء، بما يؤدي إلى تكاثر النجاحات وازدهار المجتمع. لم يكن سميح دروزة بحاجة لتكريم شخصه أبدا، ومع ذلك أعطته الجامعة الأميركية في بيروت، والتي تخرج منها، الدكتوراه الفخرية. كما منحته ذات التقدير جامعة ميسوري.
ينضم سميح دروزة لقائمة من الأردنيين الحداثيين الذين أثبتوا نجاحا خارقا في بلدهم وفي الخارج، لأنهم آمنوا بالإبداع، وبجيل الشباب والعمل المخلص النظيف (لا يسعني هنا إلا أن أستذكر أستاذي وصديقي المرحوم كمال الشاعر). ونحن نذكره ونذكرهم اليوم، لأننا حين نكرم المبدع نحتفل بالإبداع، وحين نعترف بالناجح نعظم النجاح.
رحمك الله يا أبا السعيد؛ كنت أكبر قدوة، وخير مثال يحتذيه الجيل الجديد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لروحه الرحمة (عيسى الجيزاوي)

    الخميس 21 أيار / مايو 2015.
    في حضرة الغياب والموت كلنا ضعفاء
    كثر هم من يغيبون أو يحضرون دون وجود أي ذكر لهم أو وجود بصمة لهم حتى في غيابهم
    الأب المؤسس أبو السعيد كان له الحضور والبصمة في حضوره وفي غيابه
    في حضوره. تستطيع ان تراه في كل مكان يعج بالنجاح وتسمع صوته مع هدير آلات الإنتاج التي تشعرك بكل لحظة أن هذا الصرح لا يمكن له إلا أن يكون في الطليعة
    يمكنك أن ترى أبو السعيد في كل محفل وطني أو عربي كان له بصمة واضحة في إنشاءه ونجاحه
    أبو السعيد الذي أسس صرح الحكمة الشامخ بجهد وتعب وطموح سيبقى حاضراً في قلوب كل إنسان خط لنفسه طريق للنجاح
    سيبقى حاضراً وبقوة في قلوب وافئدة كل الموظفين الذين لم يتقاعسو يوماً في بذل كل مجهودهم وطاقتهم لإبقاء هذا الصرح شامخ وفي الطليعة دائماً
    أيها الأب لروحك الرحمة والهدوء ولك منا العهد القديم الجديد بأن نبقى عند حسن ظنك للمزيد من النجاح والتقدم ولتبقى هذه المؤسسة في الطليعة دائماً وابدا
    لروحك الرحمة يا سنديانة الحكمة
  • »الرجل.. الرجل (رباح حمّور دروزة)

    الأربعاء 20 أيار / مايو 2015.
    كان ابو السّعيد وسيبقى المثل الأعلى لكل الشباب في (العلم والعمل) لأنه لا مستقبل لأي كان دون التسلّح بسلاحي العلم والعمل الدؤؤب.. وهذا ما فعله الدكتور الإنسان سميح دروزة.
    ستبقى ذكراك الحلوة وأياديك البيضاء أيها الرجل.. الرجل في قلوبنا ونفوسنا وستظل دائماً وابداً منارة ومثلاً لكل من عرفك او قرأك او سمع عنك.
  • »a great loss to humanity (Gabriel Jabbour)

    الأربعاء 20 أيار / مايو 2015.
    !Great article describing the man he was
    Kathar Allah min amthalo
    May he rest in peace & his memory be eternal
  • »الرجل المناسب (خبير بترول نضال الحافظ)

    الأربعاء 20 أيار / مايو 2015.
    شكرا دكتور مروان على المقال الصادق و قديما قيل لا يعرف قيمة الرجال الا الرجال و انا هنا اريد ان الفت الانتباه الى شيء مهم لعل الكاتب اراد ان يتجنبه لسبب لا نعرفه و لكن نستطيع ان ندركه و هو ان الراحل الكبير الصيدلاني الخبير الاقتصادي و الصناعي قد تسلم منصب وزير الطاقه و الثروه المعدنيه عامي 95 و96 و ان الراحل هو الرجل المناسب الذي وضع في الوزاره غير المناسبه فقد كان الافضل ان يستلم الصحه او الصناعه او غيرها و لكن الطاقه و الثروه المعدنيه هذه وزاره متخصصه بشكل كبير و كلنا كعاملين في هذا المجال نقول ان الواجب ان تكون وزارتين منفصلتين وزارة البترول و الثروه المعدنيه و الاخرى وزارة الطاقه و الكهرباء ان احد اهم اسباب عدم استخراج البترول بشكل تجاري في الاردن هو انه منذ تأسيس الوزاره لم يستلمها اي وزير على علم بمعنى استكشاف البترول فالجميع منذ الدكتور هشام الخطيب و حتى الوزير الحلي و مع احترامي الشديد لهم جميعا لا يعرفون شيء عن استخراج البترول و قد تعاملت مع بعضهم و اخرهم الوزير السابق الذي عرضت عليه خطه مفصله و بالارقام لاستخراج البترول و الغاز و تعهدت له ان انهي اعتماد الاردن على استيراد هذه المواد من الخارج خلال فتره لا تتجاوز الخمس سنوات و ان يصبح الاردن مصدرا لها بعد ذلك و عندما انهيت الشرح واجهني بسؤال لا يمكن لانسان عمل في مجالنا و لو لشهر واحد ان يطرحه. خلاصة القول ان منصب الوزير في الاردن غير سياسي بل هو منصب تنفيذي اي ان الوزير يجب ان يعرف على الاقل 25% من اختصاص وزارته و الا فان وجوده في الوزاره سيكون مصيبه و انا هنا اتخيل لو ان المرحوم دروزه قد استلم وزارة الصناعه لمدة عامين او اكثر ما مدى الانجاز الذي كان سيحققه. رحم الله الفقيد و هدى اصحاب القرار لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب بعيد عن الشلليه و التوريث و شكرا.
  • »نرفع رأسنا عاليا بهذا الرجل (مواطن)

    الأربعاء 20 أيار / مايو 2015.
    في أحلك الأوقات وأسوأ الظروف التي يمر بها عالمنا العربي نرفع رأسنا عالياً بهذا الرجل الذي آمن بقدرتنا كشعب بسيط في تحقيق انجاز ضخم عبر النزاهة وحسن الادارة والارادة. إنجازات سيرة سميح دروزة ثروة مستدامة بما حققه من خلال القيم التي آمن بها وعززها كمصدر لإلهام الأجيال الصاعدة والعاملة في الاقتصاد والتعليم. يجب علينا أن أن لا ننسى أمثال هؤلاء العظماء كما فعلنا مع امثالهم من قبل لضعف في قوتنا على التذكر وعلينا تحطيم وهم حدود طاقاتنا الكامنة وقدراتنا على النجاح. هل هناك من سيسعى ليجعل هذه السيرة نموذجاً يدرس لطلابنا في المدارس ؟
  • »وداعا عمو ابو السعيد (الصيدلي رفاد فاخوري)

    الأربعاء 20 أيار / مايو 2015.
    تحتية إجلال وتقدير لمعالي الدكتور مروان المعشر
    مقال رائع ومؤثر عن رجل دولة بكل معنا الكلمة
    معالي الدكتور سميح دروزة ابو السعيد كان قامة وطنية ومؤثرة ورجل عصامي مكافح طيلة ايام حياته
    وهو من الرجال القليلين الناجحين في كل ما يعملون وضع ثقته وحبه لكل الذين حوله
    زرع بالحب العلاقات وحصد الاحترام والنشاط
    رحمك الله عمو ابو السعيد
  • »مهما قيل او كتب عن ابو السعيد لن يوفيه حقه (علي بشار ابو عنبر)

    الثلاثاء 19 أيار / مايو 2015.
    أشكرك جزيل الشكر يا سيد مروان على هذا الاخلاص في هذا المقال.
    من سمات المرحوم والتي أتت من خلال عملي معه منذ العام 1978 انه:
    نعم الأب
    والقائد
    والشجاع
    وبعيد النظر
    والمنصف
    والكريم
    والمحب
    والحنون
    ورجل المواقف
    المتسامح
    المعطاء
    النبيل
    العفيف
    الصادق
    الأمين
    المؤثر
    المخلص
    الباني
    البصير
    المعلم
    المحفز
    المبدع
    الصابر

    وماذا بعد،، لن نستطيع ايفاءه حقه
    رحمك الله واسكنك فسيح جنانه والهم أهلك وذويك الصبر والسلوان
    انا لله و إنا إليه راجعون