حيدر سعيد

استقلال كردستان.. بالعربية

تم نشره في الأربعاء 20 أيار / مايو 2015. 12:02 صباحاً

"أؤكد لك أن كردستان مستقلة قادمة"؛ هذه الجملة قالها رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، وهو يرد على أحد المعلقين على محاضرته التي قدّمها في واحد من مراكز البحوث بالعاصمة الأميركية واشنطن، على هامش زيارته الأخيرة لها.
الجملة قالها بارزاني بالعربية؛ اختار أن يعبّر عن مشروع استقلال كردستان باللغة العربية التي يجيدها، وهي اللغة الأجنبية الأولى التي يجيدها -حالُه حال سائر النخب الكردية- بعد لغته الأم الكردية، بلهجتها البادينانية، التي لم يتحدث بها، لأنه ليس من اليسير توافر مترجمين منها وإليها، في حين أن العربية لغة معتادة لديه؛ فهي لغة مفاوضاته وسجالاته من أجل حقوق الكرد، هو وسائر زعمائهم. وبالتأكيد، لو كان بارزاني يجيد لغة أجنبية أخرى غير العربية، لتحدث بها في واشنطن، لاسيما الإنجليزية، لغة البلد الذي يضيّفه، بل لغة العالم أجمع.
قلت إن بارزاني "يجيد" العربية. وكلمة "يجيد"، هنا، تختزن تأريخا طويلا من العلاقة الثقافية بين العرب والكرد. وقلت: إن بارزاني اختار العربية أداة للتعبير عن استقلال كردستان، وتلك صورة عن العلاقة المعقدة التي تربط القومية الكردية بالفضاء الثقافي العربي. هذه العلاقة هي نفسها التي أطلقت طموحات لدى شباب كرد، بأن يصبحوا "محبوبي العرب" (أراب آيدل)، وهي نفسها -قبل ذلك- التي قادت شبابا كردا، مع تأسيس الدولة العراقية في العشرينيات، إلى أن يستعربوا، ويصبحوا من كبار ساسة البلاد وبناة الدولة، لكنهم لم ينسوا أن يحملوا طموحات الشعب الكردي، حتى إن تراجعت كرديتُهم لصالح العربية التي تعلموها. كما أنها نفسها التي قادت شبابا كردا آخرين ليتمرسوا في علوم الفقه وأصوله، المكتوبة بالعربية، وليصبحوا الطبقةَ الأولى من فقهاء البلاد، ويتوارثوا منصب "مفتي أهل العراق". وهي نفسها التي جعلت أبناء بعض المناطق الكردية، مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، يفضّلون مدارس تعلمُ بالعربية على المدارس التي تعلّم بالكردية، حتى بعد أن سمح لهم قانون اللغات المحلية لسنة 1931، التعلم باللغات المحلية. وهي نفسها التي قادت عسكريا كرديا إلى أن يحلم بأن يصبح أب الأمة العراقية، كما أتاتورك، وأعني الجنرال بكر صدقي.
هذه الحالة الثقافية فريدة بلا ريب؛ أن يشعر الكرد بأنهم ليسوا أبناء الفضاء الثقافي العربي، ولكنهم جزء منه أيضا... إنهم غرباء عن العربية، ولكنهم قريبون منها في الوقت نفسه.
هذا الشعور لا يتعلق بالفارق بين انتشار العربية والكردية: أن يشعر الكردي بأنه، في حال ولج الفضاءَ الثقافي العربي، فستنفتح أمامه 300 مليون إمكانية للقراءة والمعرفة، في حين لا توفّر الكرديةُ عُشر هذا الحجم. ونحن نجد هذا الشعور عند أمم أكثر عراقة ثقافيا، كالفرس. والأمر أبعد من هذا، إنها حالة تشبه ما خلّفته بعض الحالات الاستعمارية. فمع كل مآثر شعوب المغرب العربي في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، أصبح المغاربة جزءا من الفضاء الثقافي الفرانكوفوني، وأصبحت الفرنسية لديهم "غنيمة حرب"، بتعبير الروائي الجزائري، كاتب ياسين. ورغم المسيرة الملحمية لأبناء الهند لكي تستقل بلادهم، فلا تكون "درةَ التاج البريطاني" ويحكموها بأنفسهم، أصبح الهنود جزءا حيويا وفاعلا ومهما، من الفضاء الثقافي الأنجلوفوني، وطوّروا إنجليزية خاصة بهم، أصبحت إحدى لهجات الإنجليزية المعتمدة.
المغاربة يشعرون بأن لهم "حقاً" في الفرنسية، كما يشعر الهنود بأن لهم حقاً في الإنجليزية. وبالمعنى نفسه، يشعر الكرد بأن لهم حقاً ما في الفضاء الثقافي العربي.
غير أن العرب لم يفهموا هذا الأمر على نحو دقيق. وبالأحرى، ظلّ العربُ أسرى إحساس بالتعالي والتفوق الثقافي، يخلّفه وضعُ الأغلبية. ومن ثم، لم يستطيعوا أن يتعاملوا مع الكرد بوصفهم شريكا ثقافيا، فضلا عن كونهم شريكا سياسيا، وقادوا عملية تعريب شامل للبلاد، سياسي وثقافي مزدوج.
ما فات العربَ أن يدركوه، هو أن هذه الكيفية لعلاقة القومية الكردية بالفضاء الثقافي العربي كان يمكن أن تكون أساسا لاندماج سياسي، ولدولة أقل تأزما، وأكثر قبولا بالتنوع الإثني.
لم تنتج عن هذه العلاقة ترتيبات سياسية. ليس هذا فقط، بل ذهب العربُ في الاتجاه الأقصى: إلى محاولة الاعتداء على الهوية القومية الكردية ومحوها. واليوم، إذا حان استقلالُ كردستان، أظن أن على العرب أن يتعلموا من أخطائهم، وأن يسعوا إلى بناء إقليم تحكمه علاقات جوار، روحُها هذه الأطر الثقافية المشتركة. الأردوغانيون حاولوا ذلك.
مَن قال إن الثقافة لا يمكن أن تتحول إلى سياسة؟

التعليق