العيش المشترك: تعظيم للجوامع واحترام للفروق

تم نشره في الخميس 21 أيار / مايو 2015. 12:00 صباحاً

الحسن بن طلال

يلمس القارئ لتاريخ أمتنا الإسلامية الإيمان الراسخ بالكرامة الإنسانية والاعتزاز باحترام الاختلاف والتنوّع والتعدّدية لدى المسلمين والمسيحيين في مجتمعاتنا العربية. فكانت الحضارة العربية الإسلامية بوتقة انصهرت فيها ثقافات وأعراق وديانات مختلفة. كما شكّلت ملاذا آمنًا للذين يعانون من الاضطهاد الدينيّ أو الفكريّ.
وعند الحديث عن العيش المشترك في المجتمعات العربية، أقول: كان المسيحيّون جزءًا من المجتمع الإسلامي في بلادهم؛ مشاركين ومساهمين في تاريخ مجتمعاتهم وفي حضارتها ومدنيتها. وفي هذا الإطار، أشير إلى الحضور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، لإخوتنا المسيحيين العرب عبر العصور، وتواجدهم الفاعل في المجتمع العربي.
ففي القرن التاسع عشر تحديدًا، أدى المسيحيون في بلاد الشام دورًا رئيسيًّا في النهضة العربية. وإلى وقتنا الحاضر، لا يزال المسيحيّون العرب من أهم المدافعين عن القضايا العربية القومية، وبشكل خاص القضية الفلسطينية.
ويأتي تطويب البابا فرنسيس لراهبتين عربيتين من فلسطين في سياق حرصه على تعزيز السلام والعدالة والاستقرار والعيش المشترك بين أتباع الديانات في العالم وفي المشرق العربي بشكل خاص. كما يشير بقوة إلى الاهتمام الذي توليه الكنيسة الكاثوليكية في العالم للحضور المسيحي في المشرق العربي.
كما يحمل إعلان قداسة الراهبتين الأم ماري ألفونسين غطاس، مؤسسة راهبات الوردية، ومريم ليسوع المصلوب بواردي الكرملية، رسائل تنطوي على معاني الشراكة الأخوية والتواضع والصبر ومحبة الآخر والمسؤولية المشتركة في خدمة المجتمع والنهوض بالتعليم بما يحقّق الصالح العام.
وإذ نحترم احتفال إخوتنا المسيحيّين بهذا التطويب، حيث تقاطرت الوفود إلى روما من الأرض المقدسة والمنطقة العربية ومن أنحاء المعمورة للمشاركة في هذا الاحتفال، فإنّني أذكّر بأن هنالك فرقًا بين التسامح والاحترام، بين الحلم والكرامة الإنسانية العالمية المستندة إلى العدالة. وإذا كانت هنالك فئات مضللة تمارس العنف باسم الدين، وترتكز إلى نظرة إقصائية للآخر تجرّده من إنسانيته، فإنها لا تمثّل موقف الملايين من المسلمين، الذين يجمعون على احترام الآخر؛ أي الإنسان المختلف عنهم عقائديًّا أو مذهبيًّا أو عرقيًّا.
وفي هذه الأوقات العصيبة التي تعيشها المنطقة وفي ضوء اشتداد معاناة التهجير وآلام اللجوء والبعد عن الأوطان، يجب أن نتمسك بقيَم العيش المشترك وألا ننسى أن ما أظهره المسيحيون العرب عبر تاريخهم من مقدرة متميزة وفكر خلاق مستنير وانتماء للوطن وقضاياه، يشكّل ركيزة لا يستهان بها في التعاطي مع الواقع الرّاهن وخدمة قضايا الأمة بما يحقق الاستقرار والسلام.

التعليق