مغامرة في البحر الميت

تم نشره في الجمعة 22 أيار / مايو 2015. 12:04 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 21 حزيران / يونيو 2015. 11:10 مـساءً

فهد الخيطان*

بعد جدل حول عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن هذا العام، أو تأجيله بسبب الظروف المحيطة، استقر الرأي على ضرورة قبول التحدي، واستضافة المنتدى، الذي اتخذ من منطقة البحر الميت، ولسنوات، مقرا لانعقاد دورته الصيفية.
كان الأردن في حاجة ماسة لاحتضان المنتدى، وفي هذا التوقيت، لتأكيد قدرته الفائقة على التكيّف مع أصعب الظروف، وتوجيه رسالة عبر مئات المشاركين من مختلف بلدان العالم، أنه ووسط هذا الإقليم المضطرب، هناك دولة ماتزال تتمتع بأعلى درجات الأمن والاستقرار، وتملك المؤهلات الكافية لتكون وجهة مضمونة للمستثمرين، وأصحاب الأعمال.
ليس سهلا على كبار رجال الأعمال حول العالم أن يغامروا بقرار السفر إلى الشرق الأوسط. اسم الإقليم ارتبط بالحروب والصراعات، وصور القتل المروعة. فكيف، وهذا الحال، أن يفكروا في استثمار أموالهم في مشاريع يمكن خسارتها في أية لحظة؟
لكن، الأردن وحده دون غيره نجح في كسر القاعدة، وتمكن من استقطاب المئات، ليس من أجل المبيت في أخفض بقعة بالعالم، والتمتع بسحر الطبيعة الفريد، بل من أجل التوقيع على عشرات المشاريع الاستثمارية هنا في الأردن؛ الدولة الفتية والمستقرة في قلب إقليم ينزف دما.
لايمكن مقارنة منتدى البحر الميت بما حصل مؤخرا في شرم الشيخ. هناك هرع أصحاب رؤوس الأموال العربية تحديدا لانتشال دولة من قعر البئر، وتثبيت أركان الحكم، الذي يواجه حربا مع الإرهاب في سيناء، وأزمة سياسية وأمنية خانقة مع قطاعات شعبية في المدن والأرياف.
الوضع هنا مختلف؛ دولة تضرب نموذجا في الاستقرار والسلم الأهلي، ويتمتع نظامها بإجماع وطني لا نظير له في المنطقة.
دولة تملك من الكفاءات البشرية ما لا يقدر بثمن، وبيئة جاذبة للأعمال تضاهي الدول المتقدمة، ونوعية حياة عصرية ومدنية، تسمح للأشخاص من مختلف الجنسيات والأديان والثقافات أن يعيشوا فيها دون أدنى شعور بالغربة أو الخوف.
لا يريد الأردن من أصحاب المال والأعمال المشاركين في المنتدى أن يمدّوا أيديهم في جيوبهم لتقديم الهبات، إنما العمل مع أفضل ما يتوفر من قدرات بشرية وخبرات لتقاسم قصص النجاح.
لقد نجح الأردن في السنوات الأخيرة، ليس في الصمود في وجه الأهوال من حوله، بل في إقناع الأصدقاء حول العالم أنه يحوز على كل المقومات التي تؤهله لإدامة حالة الاستقرار إلى مدى بعيد والتفكير بالمستقبل وكأنه بلد خارج المنطقة المشتعلة.
واللحظة هذه هى محصلة جهد عظيم بذله الملك عبدالله الثاني طوال السنوات الماضية، كان هدفه الأساسي إقناع العالم بأن الأردن دولة مختلفة عن غيرها من دول المنطقة، دولة نجحت على الدوام في تحويل التحديات والمخاطر إلى فرص للنجاح، وحققت ما أرادت عبر تاريخها الممتد لنحو قرن من الزمان.
كان أفضل ما تحقق لنا خلال الفترة الماضية هو الإبقاء على صلاتنا حيّة مع مختلف دول العالم، وتوثيق الصداقات مع قواه الحية والمتجددة من ساسة ورجال اقتصاد ومنظمات وازنة.
حضور الملك الدائم في الحراك العالمي أثمر مكانة وتقديرا للأردن يترجم بهذه المشاركة الواسعة في المنتدى وفي الاستعداد العالي لمشاركة الأردنيين رغبتهم بالإنجاز والعمل.
سيتاح لمئات رجال الأعمال ولممثلي وسائل الإعلام العالمية أن يشهدوا بأنفسهم في البحر الميت، أنه ووسط ركام الحروب في المنطقة بقعة مضيئة آمنة ومستقرة نجح شعبها في تحدي ثقافة الموت المهيمنة، وبنى مملكة عصرية مصممة أكثر من أي وقت على أن تكون جزءا من العالم المتحضر وتملك مقومات النجاح.
المنتدى فرصتنا أيضا لنقرن الأقوال بالأفعال، ونثبت للعالم بأننا جديرون بالشراكة ونيل موقع مرموق في المصفوفة العالمية.

* كاتب ومحلل سياسي في "الغد"

التعليق