فهد الخيطان

كيف يبدو الأردن في ذكرى استقلاله؟

تم نشره في الاثنين 25 أيار / مايو 2015. 12:08 صباحاً

تلحّ على الأردنيين قائمة طويلة من المطالب والأولويات؛ صعوبات المعيشة، والغلاء، والبطالة، والفساد، ودعوات المساواة، وسيادة القانون، والإصلاح السياسي.
ذكرى الاستقلال قد تكون مناسبة للتفكير بمثل هذه الأمور. وهذا ضروري من دون شك، لا بل وحق لكل أردني وأردنية.
لقد واجهت الدولة الأردنية في سنوات الاستقلال الـ69 مخاطر جمة، ومنعطفات كادت أن تودي بها في وقت مبكر من عمرها. لكنها، وعلى نحو عجيب، نجحت في اجتياز الأزمات، والانطلاق من جديد.
تاريخ الدولة الأردنية هو سلسلة متصلة من التحديات؛ فلا تكاد تخرج من مطب، حتى تدخل في ورطة أكبر. حروب في كل قطر جاورها، ومشاكل داخلية من الوزن الثقيل. لعقود طويلة، كان على الأردن أن يتعايش مع محيط معاد، ومجتمع منقسم، وصورة نمطية وظالمة للكيان والنظام والهوية الوطنية.
كابد الأردن كثيرا كي يصمد 69 عاما. لا الملكيات العربية رحمته، ولا الأنظمة الجمهورية. وحتى يومنا هذا، يرفض البعض أن يعترف بحق الأردن في البقاء. وإن سلم بعضهم بذلك؛ فإنهم يودون أن يروه دائما ضعيفا، يحتاج لمساعدتهم.
في السنوات القليلة الماضية، على ما فيها من تحديات غير مسبوقة، صار بمقدور الأردن أن يعبر عن نفسه بحرية أكبر، وأن يفرض نفسه على المحيط كدولة جديرة بالحياة، والريادة أيضا. إذا كان هناك من فضل للربيع العربي على عالمنا العربي، فهو امتحان معدن الدول، ومدى صلابتها في مواجهة مخاطر الفوضى والتفكك، وحرص شعوبها على الإنجازات والمكاسب التي تحققت على مدار عقود مضت.
انظروا كم خسرت سورية والعراق وليبيا ومصر، وسواها من الدول العربية، من منجزات؟ كم من دمار لحق بهذه البلدان على يد أبنائها؟ ما قيمة التغيير إذا كان سيعيد بلدا مثل سورية أو ليبيا عشرات السنين إلى الوراء؟
كان حلم الشعوب ثورة تأخذها أشواطا إلى الأمام، وليس حربا تعيدها إلى زمن الدولة العثمانية.
لكن هذا ما حصل من حولنا. فنحن اليوم نعيش وسط ركام دول؛ خراب يعم بلدانا كانت حتى الأمس القريب عواصم القرار العربي، وحواضر الثقافة والحضارة العريقة.
لم نتخيل للحظة أننا سنمر يوما بهذه الظروف. لقد كان التحدي الذي يواجه الأردن على الدوام، هو وجود دول من حوله أكثر قوة ومنعة. الحال تغيرت اليوم؛ صارت الدول الضعيفة والمفككة هي مصدر القلق والتهديد.
بيد أن تجربة السنوات الخمس الماضية منحتنا ثقة عالية بالنفس؛ النظام السياسي أصبح أكثر ثقة بنفسه، وبشعبه. والشعب يدرك أكثر من أي وقت أهمية الدولة والمؤسسات في حياته. أصحاب السردية التي طالما شككت بشرعية الكيان السياسي، ووصمته بالكيان المصطنع، خفت صوتهم.
إن الأردن، وبالرغم من كل الظروف الصعبة التي يمر فيها، جراء فوضى الإقليم، يملك فرصة ذهبية لإثبات الذات من جديد، ودخول عصر الدول الحديثة.
ذلك لن يتحقق من دون بناء سردية وطنية متماسكة؛ جديدة كليا وأصيلة، تقوم على مبدأ الالتزام الوطني، وخيار الديمقراطية؛ ديمقراطية الدولة الوطنية، كخيار وحيد للرد على صراع الهويات الذي يضرب عالمنا العربي.
صدورنا مثقلة بالهموم اليومية والمعيشية، لكن ما من شيء ذي قيمة يمكن تذكره في عيد الاستقلال أكثر من الاستقرار. الاستقرار هو الذي يمنحنا الفرصة للبناء، والتفكير بالمستقبل. وأي تفريط فيه، سيضعنا في "مركب واحد" مع دول الفوضى والخراب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحن أكثر بكثير من "أننا لا نحتضر" (بسمة الهندي)

    الاثنين 25 أيار / مايو 2015.
    أستاذ فهد، أنطباعي بأنك من بين الاعلاميين الأكثر حباً وغيرة على بلدنا وتجيد التعبير عن ذلك بذكاء وشغف. ولكن مقالك اليوم استفزني؛ لقد مللت تلك الأسطوانة التي لا تجد في بلدنا سوى أنه لا يحتضر مثل الآخرين ، وكأن الانجاز الأهم لشعبنا هو أنه لا يحتضر، وكأن ليس هناك ما نفخر به سوى أننا لم نتشظى. نحن لدينا من الانجازات والأسباب الكافية كي نرى أنفسنا من زوايا غير هذه الزاوية.
    هل هذا يعني أنه لو كانت دول الجوار المقصودة بالمقارنة مستقرة فإننا لن نجد ما نفخر به؟
    تلك النغمة، نغمة أننا لا نحتضر، تكررت في أكثر من مقال اليوم، وتكررت كثيراً في الأيام الأخيرة، ولذلك قررت أن أكتب هذا التعليق. في عيد استقلالنا أفخر دون ذكر أسماء بمن بنى مصنع أدوية عالمي ومن بنى بنك عالمي ومن بنى شركة نقل عالمية ومن بنى شركة مناديل عالمية ومن بنى مستشفى عالمي ومن بنى مؤسسة عالمية للمراجعة المحاسبية، والقائمة تطول. في الأردن لدينا أكثر بكثير من "أننا لا نحتضر".
    قبلة للأردن في عيد استقلالنا!