تحفظات لغوية وسياسية فيما يخص قضية فلسطين (2/ 2)

تم نشره في الأحد 24 أيار / مايو 2015. 11:02 مـساءً

أستكمل اليوم ما بدأته في المقال السابق من استعراض لبعض التحفظات اللغوية والسياسية فيما يخص قضية فلسطين. فإضافة إلى الخمسة السابقة، هناك أيضاً:
سادساً: ظلت الدول العربية تضغط على منظمة التحرير الفلسطينية لقبول القرارين الأممين 242 و338، إلى أن قبلتهما، وكأنها بهذا القبول ستزيل آثار العدوان التي لم تزل إلى الآن. وبهذا الضغط، ظل العرب مسؤولين عن القضية الفلسطينية وتداعياتها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأولوية الأولى في كل الدول العربية المسؤولة عن ذلك كله، يجب أن تكون لفلسطين، وأن ينظر إلى المصالح القُطرية من خلالها.
سابعاً: أنتقدُ وصف ما جرى في قطاع غزة؛ الرصاص المصبوب (2009) وعمود السحاب (2012) والجرف الصامد (2014)، بالحرب. لأن مصطلح الحرب يعني للقارئ والمشاهد والسامع أن دولتين (أو أكثر) تتحاربان، وأنهما متكافئتان، فيضعهما في الميزان نفسه. مما يجعل قطاع غزة الصغير (360 كم مربع)، والمحروم والمحاصر، مكافئاً لإسرائيل، ويستحق التقييم بالمعيار نفسه. نعم، إن إسرائيل تقترف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي التي تعتدي، لكن قطاع غزة يقاوم.
ثامناً: أرفضُ وصف توني بلير والإعلام الغربي، وبعض الإعلام العربي، لما يجري في قطاع غزة بالقتال، والشهداء بالقتلى، للسبب نفسه. إن هذا وذاك وغيرهما من المصطلحات المضلّلِة (بكسر اللام الثانية)، ينبئ عن شراكة لهم مع إسرائيل في عدوانها على القطاع.
تاسعاً: كما لا أؤمن بأن الصراع بيننا وبين الصهاينة وإسرائيل ديني، وإن كانت منطلقاته عندهما دينية، ورد الحاج أمين الحسيني وهيئته و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" عليه دينياً. إن الصراع وجودي؛ فإما نحن أو هم في فلسطين. ثم، هل يعني أننا نتنازل لليهود عن فلسطين إذا دخلوا في دين الإسلام أفواجا؟ وهل يخلون لنا فلسطين إذا دخلنا في دينهم؟ إن إضفاء الطابع الديني من الطرفين على الصراع يجعله قاعدياً أو داعشياً؛ إبادياً ومقدساً.
عاشراً، إن اعتبار العدوان الصهيوني الأخير (الجرف الصامد) على قطاع غزة هو العدوان الثالث، بعد الأول (الرصاص المصبوب) والثاني (عمود السحاب)، يخفي العدوان الأكبر والأخطر والأفتك الدائم على القطاع، وهو الحصار المحكم الخانق براً وبحراً وجواً، القائم على تحديد السعرات المصرح بها للفرد في غزة يومياً.
حادي عشر: هل هو احتلال أم اغتصاب؟ إن إسرائيل لا تحتل فلسطين، لأنها (إسرائيل) لم تكن قائمة أصلاً لتحتل بلداً آخراً، كما أن الاحتلال مؤقت وإن طال. فهي إنما تغتصبها أو تصادرها وتستوطنها، وتطرد أهلها منها وتشردهم في الآفاق. إن مصطلح الاحتلال يعني أن إسرائيل كانت قائمة أصلاً، شعباً ودولة في هذه البلاد منذ القدم، وقد احتلت أراضٍ من دول الجوار، وسوف ترحل يوماً عنها إلى داخل حدودها. إن مصطلح "الاحتلال الإسرائيلي" خطير جداً، لأنه يضفي الشرعية التاريخية على إسرائيل.
يقول الدوس هكسلي: إن الكلمات والمصطلحات (أو اللغة) التي تهيمن على المرء أو المسرح، تشكل التفكير كما تشكل الجغرافيا التاريخ. فحذار من غياب التفكير الناقد لكل ما يصدر عن الإعلام الإسرائيلي والغربي والعربي الذي يتبعه.
وبهذه المناسبة، أكشف لكم عن شر الشقاء الفلسطيني الدائم. فالعرب والعالم يتحدثون عن القضية من آخر واقع لها تجرهم الصهيونية وإسرائيل إليه، بينما يصر الفلسطينيون على إعادتهم إلى الجوهر/ الأصل، وهو اغتصاب وطنهم وتشريدهم منه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام مهم (sami)

    الاثنين 25 أيار / مايو 2015.
    كلام مهم جدا و كان غائبا عن البال..
    شكرا لك