أخطاء الطب الشرعي تودي بحياة أبرياء

تم نشره في الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • على المحلفين أن لا يثقوا بسرعة بنتائج فحوصات الحمض النووي التي يرونها في المحاكم.ارشيفية

لندن- ربما تبدو لنا البصمة الوراثية "دي إن إيه"، وبصمات الأصابع، وتحليل الشعر، أمورا حصينة لا يمكن التلاعب بها. لكنها بالفعل يمكن أن تتغير من خلال الآراء المسبقة لأحد العلماء خلال إجراء تلك التحاليل. الصحفية "ليندا غيديس" تتناول إحدى الأزمات الحالية في عالم الكشف عن الجريمة.
"منذ زمن طويل اعتبرت الأمور التافهة الأكثر أهمية بشكل لا يقارن، وأصبح ذلك من البديهيات عندي"، هذا ما نطق به محقق القصص الخيالية شرلوك هولمز. كانت هذه الشخصية الخيالية متسلحة بمهارات بارعة في التفكير العكسي، أي التفكير من نهاية الأمور إلى بدايتها.
أما ما يميزه عن غيره فهو قدرته على حل ألغاز جرائم لم يستطع غيره أن يحلها. كان الحل في أغلب الأحيان يأتيه عن طريق اكتشاف أدلة بسيطة يصعب ملاحظتها.
كان "هولمز" ملهما للمؤسسين الأوائل للطب الشرعي المعاصر. ومع مرور عقود من الزمن، وتزايد الأدوات المتوفرة في ترسانتهم، أصبحت كفاءتهم اللامعة لا تقهر، إضافة إلى الانضباط المحيط بعملهم. لكن صدعاً واضحاً وجد في أسلوب عملهم، وقد جرى التغاضي عنه سابقا، وهو الآراء الشخصية لديهم.
إن الشخصيات الخيالية التي خلفت "هولمز" في قصص الجرائم جعلتنا نعتقد أن الأدلة الجنائية تستند دائما إلى استنتاج دقيق. إلا أنها غالباً ما تعتمد على الرأي الشخصي لعلماء الطب الشرعي، وليس على الحقائق الدامغة.
في كانون الأول (ديسمبر) 2009، خرج دونالد غيتس من سجن "أريزونا" وفي جيبه 75 دولاراً أميركياً وتذكرة سفر بالحافلة إلى مدينة "أوهايو" الأميركية. فبعد أن قضى في السجن 28 عاماً بسبب جريمتي اغتصاب وقتل لم يرتكبهما، سار في طريقه كأي رجل حرّ طليق.
في تلك الأوقات، تحولت الأضواء لتسلّط على تقنية الطب الشرعي التي أرسلته إلى غياهب السجون: التحليل المجهري للشعر.
يعد شعر البشر من أكثر أنواع الأدلة شيوعاً إذا ما وجد في موقع الجريمة. خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ركز محللو الطب الشرعي في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول على الاختلافات الفيزيائية للشعر.
وقد اعتمدوا هذه الطريقة ليحددوا ما إذا كان الشعر المكتشف في موقع الجريمة يطابق شعر المشتبه به -مثل حالة دونالد غيتس.
جرت محاكمة غيتس العام 1982، وخلال المحاكمة أدلى مسؤول التحاليل بمكتب التحقيقات الفيدرالي، مايكل مالوني، بشهادته قائلاً إن الشعر الذي وجد على جسد الضحية -وهي الطالبة كاثرين شيلينغ بجامعة "جورج تاون"- كان مطابقا تماماً لشعر دونالد غيتس. وأضاف مالوني أن احتمال كون ذلك الشعر لشخص آخر هو احتمال ضعيف للغاية، بنسبة واحد إلى 10.000.
"إنه دليل دامغ، وخاصة عندما يصدر من شاهد يلبس الملابس البيضاء في المختبرات"، كما يقول بيتر نويفيلد، المؤسِّس المشارك لمنظمة "مشروع البراءة"؛ وهي منظمة غير ربحية مقرها نيويورك، وتستخدم الحمض النووي (البصمة الوراثية) لإبطال الأحكام القضائية الخاطئة.
غير أن تحليل الشعر ليس فحصاً موضوعياً صرفاً؛ ربما أظن أن خصلتي شعر تبدوان متطابقتين، ولكن قد تختلف أنت معي في هذا الشأن. حتى وإن اتفقنا بأن الخصلتين متطابقتين، لم يكتشف أحد حتى هذه اللحظة كم خصلات شعر أخرى هناك ربما يتعذر تمييزها عن غيرها.
أخيراً، تمت تبرئة دونالد غيتس عندما بيّن فحص الحمض النووي أن الشعر الذي وجد في مسرح الجريمة لا يعود إليه من الأساس. وبعد فترة وجيزة، تمت تبرئة متهمين اثنين آخرين.
ونتيجة لهذه الحالات، يعيد مكتب التحقيقات الفيدرالي حالياً النظر في بضعة آلاف حالة مشابهة، أدلى فيها علماء بشهادات مضللة. وقد أعلن هذا المكتب في الشهر الماضي أنه من بين 268 حالة تمت مراجعتها حتى ذلك الوقت من بين تلك التي وصلت إلى المحاكم، تضمنت 96 في المائة منها شهادات باطلة علمياً أو أخطاء أخرى ارتكبها وكلاء مكتب التحقيقات الفيدرالي.
ومن بين أولئك الذين تمت إدانتهم، تلقى 33 منهم حكماً بالإعدام، وجرى تنفيذ تسعة أحكام منها بالفعل.
حتى الأدلة الموثوقة، مثل تحليل بصمات الأصابع، ليست معصومة من الخطأ. فقد بيّنت الأبحاث أنه يمكن للخبير نفسه ببصمات الأصابع أن يصل إلى استنتاجات متباينة تخص بصمة الإصبع ذاتها، اعتماداً على القرائن الأخرى التي يزودونه بها عن قضية ما.
وبالاستناد جزئياً إلى هذه النتائج، نشرت "الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم" العام 2009 تقريراً حول حالة الطب الشرعي وعلومه. جرى تفويض الأكاديمية للقيام بذلك رداً على فضائح متكررة تتعلق بنتائج المختبرات، وإساءة تطبيق أحكام العدالة.
وقد أدانت النتائج جوانب عدة، وجاء في التقرير: "ربما تكون شهادات استندت إلى تحاليل علمية شرعية خاطئة قد أسهمت في إدانة باطلة لأناس أبرياء. في عدد من مجالات التخصص، يتوجب على مختصي العلوم الشرعية أن يتأكدوا من صحة النهج الذي يتبعونه أو الدقة في الاستنتاجات التي يصلون اليها".
كان التقرير علامة تنذر بالخطر، ليس فقط لعلماء الطب الشرعي في الولايات المتحدة الأميركية، بل وحول العالم أيضاً. يقول نِك داييد، أستاذ العلوم الشرعية بجامعة "دندي" الاسكتلندية: "كشف التقرير نواقص علمية مهمة تشمل العديد من الوسائل التي نتّبعها، سواء كان في فحص أو تفسير أنواع مختلفة من الأدلة".
من بين جميع الأدلة الشرعية، اعتُبر فحص الحمض النووي أكثرها موضوعية. ولأنه يعتمد على تحليل كيميائي معقد، فإنه يبدو كفحص علمي صارم -أي أنه معيار ذهبي لما ينبغي أن يكون عليه العلم الشرعي. لكن رغم كل هذا، ربما يتوجب على المحلفين أن لا يثقوا بسرعة بنتائج فحوصات الحمض النووي التي يرونها في المحاكم.
في العام 2010، وبينما كنت أعمل مراسلاً لمجلة "نيو ساينتيست"، تعاونت مع الباحثين إيتيل درور من جامعة لندن، وغريغ هامبيكيان من جامعة "بويس الحكومية" بولاية آيداهو الأميركية. كانت الفكرة أن نختبر موضوعية فحص الحمض النووي.
أخذنا نموذج حمض نووي كان قد استخدم كدليل إثبات في قضية واقعية -اغتصاب جماعي في ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأميركية. قدّمنا النموذج إلى 17 خبيرا بالتحاليل يعملون في المختبر الحكومي نفسه المعتمد لدى السلطات الأميركية.
في القضية الأصلية، استنتج اثنان من المحللين لدى مكتب تحقيقات جورجيا أن الرجل الذي أدين في نهاية الأمر، وهو كيري روبنسن "لا يمكن استبعاده" من الآثار المأخوذ من موقع الجريمة.
وقد استند استنتاجهما إلى فحص الحمض النووي للمتهم. لكن عندما قُدِّم الدليل إلى الخبراء الـ17 الذين اخترناهم، خرجوا باستنتاجات مخالفة لذلك؛ إذ وافق واحد فقط من المحللين على "عدم امكانية استبعاد" روبنسن. وقال أربعة منهم إن الدليل غير حاسم. أما البقية، وهم 12، قالوا إنه يمكن استبعاده من دائرة الاتهام.
غير أنه لمجرد كون العلم الشرعي معرضاً لآراء شخصية لا يعني أنه ينبغي تجاهله؛ فما يزال بإمكانه أن يمدنا بأدلة حيوية تساعد في القبض على المتهمين وإدانتهم في جرائم القتل والاغتصاب وغيرها.
يقول درور: "القناعة الذاتية ليست تعبيراً سيئاً. فهي لا تعني أن الدليل ليس جديراً بالثقة، ولكنه يكون عرضة للانحياز والتأثيرات الناجمة عن سياق الحدث".
أحكام عمياء
ما نحتاج إليه هو ضمانات مضافة تحمي الخبراء الشرعيين من معلومات ليست ذات صلة بالجريمة والتي يمكنها أن تحرّف اجتهاداتهم عن مسارها الصحيح.
الخطوة الأولى هي ضمان عدم تزويدهم بمعلومات ليس لها صلة بعملهم، مثل أن يقال إن الشهود قد رأوا المتهم في موقع الجريمة، أو أن لديه سوابق بارتكابه جرائم مماثلة، مما قد يشكل لديهم أحكاما مسبقة.
الإجراء الوقائي الآخر هو كشف المعلومات ذات الصلة بشكل متدرج، وفقط عند الحاجة إلى ذلك. يقول درور: "علينا تزويدهم بالمعلومات لكي يقوموا بواجبهم فقط عندما يحتاجون إليها. لا يجب علينا تزويدهم بمعلومات إضافية لا علاقة لها بما يقومون به، والتي بإمكانها أن تؤثر على ملاحظاتهم واجتهاداتهم".
بدأ تطبيق هذا الأمر في الولايات المتحدة الأميركية على الأقل: فقد تم تأسيس لجنة وطنية للطب الشرعي وعلومه. وتهدف اللجنة، من بين ما تهدف إليه، إلى تعزيز العمل في هذا الميدان من خلال الأخذ في الاعتبار وجود عوامل بشرية، مثل التحيز المعرفي. إلا أن هناك حاجة إلى استراتيجيات مماثلة في مجالات أخرى إذا أريد للطب الشرعي وعلومه أن يعيد بناء سمعته المهترئة.
عندما يتعلق الأمر بالاستنتاج والبرهان، فما يزال هناك الكثير لنتعلمه من بطل قصص "آرثر كونان دويل". وكما يُنسب إلى "شارلوك هولمز" قوله أيضاً: "استبعد كل العوامل الأخرى، وما تبقى منها يجب أن يكون هو الحقيقة".-(بي بي سي)

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقالتكم هى موضوع مؤلفى " الشرعية الإجرائية للأدلة العلمية " - القاهرة - 2006 - دار النهضة العربية (برهامى عزمى)

    الاثنين 10 آب / أغسطس 2015.
    مقالة أعجبتنى لأنها تكرر ما تناولته فى رسالتى للحصول على الدكتوراه ( نفس الموضوع )... والتى تتضمن قبول العديد من الأدلة الفنية دون كثير من التمحيص ، وبعد أن تصدر الدليل المستمد من بصمات الأصابع كافة أدلة تحقيق الشخصية والذاتية لفترة تزيد عن 110 عام ظهرت أدلة أخرى أُنزلت فى قدرتها الإثباتية أو حجيتها منزلة الدليل المستمد من بصمات الأصابع ، إلا إن التساؤل المطروح : من هو القادر على تقييم حقيقة تلك الأدلة فى الإثبات الجنائى والمدنى ؟ هل هو الخبير ؟ أم الطبيب الشرعى ؟ أم القاضى ؟ أما العالم ؟ أم المدافع ؟ ، لقد سمح التقدم العلمى فى ظهور العديد من تلك الأدلة فى ساحة الإثبات الجنائى دون التيقن الكافى والمناسب من دلالاتها الإثباتية ، لقد انصبت المبادئ القضائية الأمريكية من خلال قضية فراى عام 1923 على ثلاثة من المبادئ الإثباتية ، أتشرف أنى دعمتهم بثمانى معايير لتقييم قطعية الدلالة لكل دليل قياسا على بصمات الأصبع ، كنت قد انتهيت إلى عدد ثلاث معايير عام 1995 ثم ارتفع العدد لثمانى معايير لقطعية الدلالة وعدمها لأدلة تحقيق الشخصية والذاتية بنهاية بحثى ( رسالتى)...