حان الوقت لعودة الإمبريالية إلى الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً
  • مدينة تدمر الأثرية السورية التي استولى عليها "داعش" مؤخراً - (أرشيفية)

روبرت دي. كابلان – (فورين بوليسي)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

25/5/2015

رغم أن الإمبريالية أصبحت مذمومة الآن، فقد كانت الإمبراطورية هي الوسيلة الافتراضية للحكم في أكثر فترات التاريخ المسجل. وكان انهيار الإمبراطوريات دائماً شأناً فوضوياً، سواء كان ذلك في الصين أو الهند، ومن العصور القديمة وحتى مطلع القرن العشرين، وفي أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.
الانهيار الذي نشهده في العالم العربي اليوم، مع حالة الفوضى السائدة في أجزاء من شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام، يتصل في الحقيقة بالنهاية الأخيرة للإمبريالية. ويشير استيلاء تنظيم "الدولة الإسلامية" على تدمر؛ مدينة القوافل القديمة وواحد من أهم المواقع الأثرية المذهلة في الشرق الأدنى، على هذه النقطة بالتحديد. وتُظهر تدمر كيف كانت المنطقة محددة تاريخياً بطرق التجارة أكثر من كونها محددة بالحدود الثابتة. ويُظهر استيلاء البرابرة عليها فقط كيف أن العالم يعود إلى تلك الوضعية السائلة.
ثمة ثلاثة أنظمة إمبراطورية هي التي نشهد الآن انهيارها في الشرق الأوسط في واقع الأمر.
أولاً، تبين الفوضى السائدة في الشرق الأوسط أن المنطقة ما تزال لم تعثر بعد على حل لانهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وعلى مدى مئات السنين، خاض السنة والشيعة، والعرب واليهود، والمسلمون والمسيحيون، في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، القليل من النزاعات الإقليمية. وقد وقعت هذه الأطراف كلها تحت حكم الإمبراطورية في إسطنبول، الذي حماها من بعضها بعضا. لكن ذلك النظام انهار في العام 1918، وأطلق انهياره العنان لشيطان النزاعات القومية والإثنية والطائفية حول مَن يسيطر على أيٍّ من الأراضي، وعند أي حدود على وجه التحديد.
ثانياً، أدى انهيار العراق في أعقاب سقوط نظام صدام حسين، وانهيار سورية في أعقاب الربيع العربي، وصعود مجموعة "الدولة الإسلامية" إلى وضع نهاية للحدود التي أقامتها الإمبريالية الأوروبية، البريطانية والفرنسية، في بلاد الشام.
ثالثاً، يُظهر نهج الرئيس باراك أوباما القائم على سياسة رفع اليد وعدم التدخل الواضح في التعامل مع هذه التطورات نهاية دور القوة الأميركية العظمى في تنظيم واستقرار المنطقة. ولنتذكر أن الولايات المتحدة كانت، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إمبراطورية عالمية في كل شيء إلا الاسم. (وربما لا يعالج أحد هذه النقطة غير المريحة بطريقة أكثر شمولاً مما فعل مؤرخ أكسفورد، جون داروين، في العام 2007، في كتابه "بعد تيمورلنك: صعود وسقوط الإمبراطوريات العالمية، 1400-2000)".
لم تكن القوى الإمبريالية فقط هي التي انهارت وتركت الفوضى في أعقابها. فقد أنهى سقوط نظام صدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، واختزال نظام بشار الأسد في سورية إلى مجرد دويلة محاصرة، أنهى سقوط هذه الأنظمة عصر الرجال الأقوياء لحقبة ما بعد الاستعمار، والذين كان حكمهم مرتبطاً عضوياً بتركة الإمبريالية. بعد كل شيء، حكم هؤلاء الطغاة وفقاً للحدود التي أقامها الأوروبيون. ولأن هذه الحدود الإمبريالية لم تتواءم في كثير من الأحيان مع الحدود العرقية أو الطائفية، فقد تطلبت الأنظمة الديكتاتورية اتخاذ هويات علمانية من أجل تحييد الانقسامات الطائفية. لكن هذا كلّه تمت إزالته بوحشية.
للأسف، لم يكن ما يسمى الربيع العربي يتعلق بولادة الحرية، وإنما كان يتعلق بانهيار السلطة المركزية، وهو ما يقول شيئاً عن استعداد هذه الدول، الاصطناعية وغيرها، للتعامل مع مصاعب الديمقراطية.
من بين الدول التي تأثرت بالضيق الحالي، ثمة نوعان ملحوظان: أولاً، هناك الكتل الحضارية القديمة، وهي أماكن كانت دولاً بشكل أو آخر فيما يعود وراءً في الزمن إلى العصور القديمة، وبذلك طورت أشكالاً قوية من الهوية العلمانية، والتي تسامت فوق هويات العرق والطائفة الدينية. وتشكل المغرب وتونس ومصر النماذج الأكثر إثارة للانتباه في هذه الفئة. وإذا نظر المرء إلى خريطة المواقع الرومانية على طول ساحل شمال أفريقيا، فإنه سيرى الخريطة مزدحمة بالمستوطنات التي توجد فيها هذه البلدان، وسيلاحظ الغياب النسبي لهذه المستوطنات في المساحات الشاسعة الفاصلة بين الجزائر وليبيا. وبعبارات أخرى، فإن المغرب، وتونس، ومصر هي بلدان يمكن تعريفها تاريخياً. ومهما تكن الفوضى وتغيرات الأنظمة التي شهدتها في سياق الربيع العربي، فإن هوياتها كدول لم تكن أبداً موضع سؤال. وهكذا، كانت القضايا في هذه البلدان تدور حول من يحكم ونوع الحكومة التي يجب أن توجد، وليس حول ما إذا كان وجود دولة أو حكومة مركزية يمكن أن يكون ممكناً من الأساس.
لكن المجموعة الثانية من دول الشرق الأوسط هي أكثر استقراراً. وتتخذ هذه الدول شكل تعبيرات جغرافية غامضة، وهي أماكن ذات هويات أضعف بكثير -والعديد منها في واقع الأمر هي هويات اخترعها الإمبرياليون الأوروبيون. وتشكل ليبيا وسورية والعراق أبرز الدول التي تقع ضمن هذه الفئة. ولأن الهوية في هذه الحالات هشة، فقد لزم استعمال أكثر أشكال الاستبداد خنقاً وتضييقاً لمجرد الإبقاء على أجزاء كل من هذه الدول ملتصقة معاً. وهذا هو السبب الجذري للطبيعة المتطرفة التي ميزت أنظمة القذافي، والأسد وصدام حسين، والتي مارست مستويات من القمع أشد بكثير من تلك التي مارسها حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس. كما أن الجزائر، الدولة المصطنعة أيضاً، والتي ابتكرها الفرنسيون في الأساس، شهدت حكماً استبدادياً عقيماً ونائياً، وهي تواجه الآن مرحلة انتقالية يفتقد اليقين، نظراً لتدهور صحة حاكمها، عبد العزيز بوتفليقة، الذي ما يزال في سدة السلطة منذ العام 1999. والأردن أيضاً هو تعبير جغرافي غامض، لكنه تمتع بحكم معتدل من خلال عبقرية حكامه الهاشميين والدعم الاقتصادي والأمني الساحق الذي حظي به هذا البلد الصغير من الولايات المتحدة. وقد يكون اليمن أيضاً حزمة من الحضارة القديمة، لكنها حزمة مقسمة دائماً بين العديد من الممالك المختلفة بسبب تضاريسها الوعرة، بحيث كان حكم هذه الأراضي كوحدة واحدة دائماً شأناً يجاور المستحيل تقريباً.
كانت الأنظمة الشمولية الخانقة فقط هي التي استطاعت السيطرة على هذه الدول الاصطناعية المكونة من تعبيرات جغرافية غامضة. وعندما انهارت هذه الأنظمة، تركت وراءها فراغاً مطبقاً. لأن مثل هذه الأنظمة كانت قد أضعفت قبل وقت طويل كافة الأشكال الوسيطة من التنظيمات الاجتماعية والسياسية الواقعة بين النظام في القمة، والقبيلة والأسرة الممتدة في الأسفل. وكان الاستبداد هو الإجابة الوحيدة عن نهاية الإمبريالية الغربية في هذه الدول المصطنعة. ويشكل انهيار تلك الأنظمة الشمولية الآن السبب الجذري في فوضى الشرق الأوسط.
بمصاحبة هذا الانهيار للتعبيرات الجغرافية الغامضة، والضعف الأقل حدة للكتل ذات الحضارات القديمة، جاء صعود قوى إقليمية أصلية من المنطقة، مثل إيران وتركيا، والمملكة العربية السعودية. وتشكل إيران حضارة كبيرة في العالم القديم من جهة، وكيانات عديمة الرحمة وبالغة التطرف من جهة أخرى. وهذا هو ما يفسر فعاليتها الدينامية في جميع أنحاء المنطقة. وكانت إمبراطورية فارسية قد ترسخت بشكل أو آخر في الهضبة الإيرانية منذ العصور القديمة. وهكذا، وبدلاً من مواجهة مشاكل الهوية السياسية مثل العرب، يتمتع الإيرانيون بهبة امتلاك يقين ثقافي ذاتي مماثل لذلك اليقين الذي لدى الهنود والصينيين.
مع ذلك، فإن التجمع الضيق للملالي المتطرفين الذين يديرون حكومة طهران يشكل في الوقت نفسه كياناً أقرب إلى الجماعات الجهادية مثل "الدولة الإسلامية" وحزب الله والقاعدة وجيش المهدي السابق. وبذلك تكون إيران قادرة على العمل بنكهة غير تقليدية. وقد أتقنت إيران معرفة دورة الوقود النووي، ودربت قوى مسلحة ومتطرفة بالوكالة في بلاد الشام، وأجرت ببراعة مفاوضات مع عدوها الرئيسي، الولايات المتحدة. وهكذا ترث إيران جزئياً الفراغ الذي خلفه اختفاء الإمبراطوريات العثمانية والأوروبية والأميركية.
بينما تشكل إيران عقدة القوة الشيعية في الشرق الأوسط الذي أصبح طائفياً حديثاً، فإن المملكة العربية السعودية هي عقدة القوة السنية. والمملكة العربية السعودية، بالمقارنة مع إيران، هي خلق اصطناعي لأسرة ممتدة واحدة. ولا يتماهى البلد الذي تحكمه الأسرة السعودية مناطقياً مع شبه الجزيرة العربية بالقدر الذي تتماهى به إيران مع الهضبة الإيرانية. ومع ذلك، فإن آل سعود شقوا طريقهم بطريقة لافتة على مدى العقود خلال فترة من التحول الاجتماعي الكبير في الداخل، والوضع الأمني المضطرب في الخارج. كما أن التغيرات الأخيرة في الشخصيات رفيعة المستوى، والتي هندسها الملك الجديد، سلمان، بما في ذلك استبدال ولي العهد ووزير الخارجية، تشير إلى التصميم المطلق لهذه السلالة على تعديل سياساتها من أجل عدم السماح لإيران بالهيمنة على المنطقة.
كانت حملة القصف الأخيرة التي شنتها المملكة العربية السعودية ضد رجال القبائل الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وتكثيف الرياض المتجدد لدعمها للمتمردين السوريين المناهضين لإيران (الذين يتلقون المساعدة أيضاً من تركيا وقطر)، بمثابة رد فعل على ما تراه الرياض اتفاقاً نووياً أميركياً إيرانياً وشيكاً. والواقع أن السعوديين وضعوا مسبقاً في حساباتهم الإمكانية القوية لإبرام مثل هذه الصفقة، وبذلك يجسد قصف اليمن والضغط الأخير على نظام الأسد الموالي لإيران في سورية -قبل قدوم الحقيقة الواقعية- الشرق الأوسط لما بعد الاتفاق النووي. وسوف يتم النظر إلى هذا الاتفاق، إذا تم إبرامه فعلاً في واقع الأمر، ولو أنه مقتصر على القضايا النووية، مع بعض المبررات على أنه بداية لتحقيق تقارب أميركي-إيراني أكثر عمومية من نوع ما: من الناحية الإقليمية، قوة إمبريالية متراجعة تتوصل إلى تفاهم مع قوة صاعدة أصيلة من المنطقة.
حتى تتمكن من احتواء مرحلة ما بعد إبرام اتفاق مع إيران، لن تحتاج الولايات المتحدة إلى تدعيم موقف المملكة العربية السعودية فقط، وإنما مصر وتركيا أيضاً. وقد تحالفت أجهزة الأمن المصرية تحت الحكم العسكري بحكم الأمر الواقع للرجل القوي عبد الفتاح السيسي بهدوء مُسبقاً مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في قطاع غزة وسيناء، وأماكن أخرى. وتريد أميركا مِصرا قوية -سواء كانت ديمقراطية أم لا- كحليف إقليمي مناهض لإيران من أجل دعم المملكة العربية السعودية. ورغم أنه لا يُنظر إلى تركيا في عهد الرئيس رجب طيب إردوغان عادة على أنها دولة موالية للولايات المتحدة، فإن وجود تركيا قوية في حد ذاته يساعد التوازن ضد النفوذ الإيراني. وسوف يحدد التصارع بين هذه القوى المحظوظة جغرافياً وتاريخياً من أجل الهيمنة الإقليمية نوع النظام ما بعد الإمبريالي الجديد.
ربما يسعى الرئيس الأميركي القادم في العام 2017 إلى إعادة النفوذ الإمبريالي الغربي -مُطلقاً عليه اسماً آخر، بطبيعة الحال. ولكنه (هو أو هي) سيكون مقيداً بشروط بنفس انهيار السلطة المركزية في منطقة الشرق الأوسط، الذي بدأ مع سقوط نظام صدام حسين، واستمر خلال سنوات ما بعد الربيع العربي. وكانت الديكتاتوريات العربية القوية في جميع أنحاء المنطقة مريحة للمصالح الأميركية، لأنها توفر عنواناً واحداً لتذهب إليه أميركا في كل بلد في حال وقوع أزمات إقليمية. أما الآن، فهناك ما هو أقل بكثير من ذلك. في العديد من البلدان، ليس هناك أحد مسؤول ببساطة، والذي يمكن أن ننقل إليه مواطن قلقنا. وليست الفوضى مجرد مشكلة أمنية وإنسانية، وإنما هي عقبة شديدة أمام عرض وممارسة القوة الأميركية.
وهكذا، من المرجح أن يكون مستقبل الشرق الأوسط على المدى القريب، وربما المتوسط، قاتماً. سوف تقاتل "الدولة الإسلامية" الآن ميليشيات إيران الشيعية، تماماً كما حارب عراق صدام السني إيران آية الله روح الله الخميني الشيعية في الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988. تلك الحرب، التي استمرت كما ما فعلت، مثلت في جزء منها قراراً متعمداً من إدارة ريغان بعدم التدخل -في مثال آخر على السلطة الإمبريالية الضعيفة، ولو أنها ناجحة، بما أنها سمحت لريغان بالتركيز على أوروبا والمساعدة في إنهاء الحرب الباردة.
وراءً حينذاك، كانت هناك دول في حالة حرب. والآن ثمة كيانات وأشباه دول. وكانت الإمبريالية قد أسبغت النظام، بغض النظر عن كم كان رجعياً. ويتعلق التحدي الآن أقل بإقامة الديمقراطية ويتعلق أكثر باستعادة النظام. لأنه من دون نظام، ليست هناك حرية لأحد.

ala.zeineh@alghad.jo
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان:
 It’s Time to Bring Imperialism Back to the Middle East

التعليق