د.أحمد جميل عزم

مخططات لإعادة استعمار العرب العام 2017؟

تم نشره في الخميس 4 حزيران / يونيو 2015. 12:05 صباحاً

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية؛ إحدى أشهر الدوريات العالمية، والقريبة من مراكز صنع القرار الأميركي، مقالا الأسبوع الماضي، يدعو لعودة الاستعمار إلى الشرق الأوسط. فقد جاء عنوان المقال ""إنّه الوقت لعودة الإمبريالية للشرق الأوسط". لكن الانتقادات أدت إلى تغيير عنوانه على موقع المجلة الإلكتروني.
كاتب المقال هو روبرت كابلان، أحد أشهر الكتاب الأميركيين والعالميين، وهو مسؤول سابق عمل في رسم سياسات وزارة الدفاع الأميركية، عقب وصول الرئيس الأميركي الحالي إلى البيت الأبيض، العام 2009. كما عمل أيضاً مستشاراً للجيش الأميركي، ويعتقد أنه ساهم في التخطيط لحرب العراق العام 2003. وهو كذلك جندي سابق في الجيش الإسرائيلي، حيث عاش سنوات بعد فشله في الحصول على عمل بعد تخرجه من الجامعة، قبل عودته ليصبح واحدا من أشهر الصحفيين العالميين، وليصنف أحد أبرز المفكرين العالميين أيضا.
يعتقد كابلان أنّ الصراعات الدموية التي يعيشها الشرق الاوسط حاليا، هي نتائج مرحلة ما بعد الاستعمار. وأنّ المنطقة لم تستطع التعامل مع سقوط ثلاث قوى استعمارية سيّرتها في القرن الماضي؛ العثمانيون، والأوروبيون البريطانيون والفرنسيون، والقوة الأميركية العظمى التي يقول إنّ فيها كل مواصفات الإمبراطورية سوى الاسم، وأنّ إنهاء أوباما تدخله في ضمان استقرار المنطقة، يجعل المرحلة أيضاً مرحلة "ما بعد الاستعمار" (الأميركي). ويقول إنّه إضافة لذهاب الإمبراطوريات الاستعمارية هذه، ذهب أيضاً دكتاتوريون مثل صدام حسين ومعمر القذافي وتقهقر بشار الأسد، وهؤلاء جميعاً كانوا من معالم مرحلة ما بعد الاستعمار والتكيف معها، وأنّهم بنوا حكمهم على أساس مقارعة الاستعمار، وكل "الربيع العربي" هو برأيه نتائج انهيار السلطات المركزية، وليس بسبب السعي للحرية، أي إن غياب الاستعمار والدكتاتورية هو سبب الحروب الدموية الراهنة. وبرأيه أنّه باستثناء مصر والمغرب وتونس التي كانت يوماً دولا قبل الاستعمار الأوروبي، فإنّ الدول الاصطناعية التي نتجت عن الاستعمار، بما فيها العراق وسورية والجزائر، لم ينجح أحد في حفظ الاستقرار فيها إلا دكتاتوريون وحكم شمولي، مستثنيا الأردن الذي فيه حكم هاشمي معتدل.
بالتالي، يعتقد كابلان في مقاله أنّ الرئيس (أو الرئيسة) الأميركي الجديد، بدءا من العام 2017، يحتاج لاستعادة النفوذ الإمبريالي الغربي، "باسم آخر طبعاً". ويقول إنّه كان أسهل للأميركيين ممارسة هذا الاستعمار من خلال رؤساء دكتاتوريين، لكن عدة دول تفتقد لمثل هؤلاء الآن. ويقول إنّه لا معنى للحديث عن نشر الديمقراطية، لأنّه من دون استقرار لا توجد ديمقراطية، وأنّ الاستقرار هو الأساس، وأنّ الصراع الشيعي-السُنّي الحالي بمركزيه إيران والسعودية صار يحدث داخل الدول وليس بينها.
بعد الانتقادات، جرى تعديل عنوان المقال على موقع المجلة إلى "حطام الإمبراطورية في الشرق الأوسط". وقال كابلان معلقاً إنّه كان يفضل عنوان "أهلا في "شرق أوسط" ما بعد الاستعمار". وادعى أنّه لم يقصد ضرورة عودة الاستعمار، بل يدعو كذلك لتفاهم مع إيران، وإلى منهح أميركي متحفظ في الشرق الأوسط. لكن إنكاره لا يتضمن إلغاء قوله إنّ الدكتاتورية كانت أفضل، وإنّ النفوذ الاستعماري هو المطلوب. 
بطبيعة الحال، بإمكان كابلان أن يستخدم ذات الذريعة التي استخدمها كثيرون جداً لتبرير الاستعمار مع ادعاء الحرص على الحرية، بدءا من جون ستيورات مل (1806-1873)، الذي برر استعمار الهند وغيرها بحجة تأهيل الشعوب البربرية لتصبح راشدة قادرة على تقرير شأنها بنفسها. وهو المنطق ذاته لفرض الوصاية والانتداب من عصبة الأمم كغطاء للاستعمارين الفرنسي والبريطاني.
إنّ عودة الجمهوريين وبعض الديمقراطيين للحكم في البيت الأبيض، يمكن أن تأتي فعلا بمن يؤمن بمثل هذه الأفكار، التي ستأخذ شكل تعزيز نفوذ دكتاتوريين دمويون يحفظون المصالح الاستعمارية سراً أو ضمناً، ويناهضونها علناً، أو حتى من دون مناهضة، بل تبرير أي قمع بحفظ النظام، بعد أن كانوا يبررونه في الماضي بمناهضة عملاء الاستعمار. والمشكلة أنّ هذا التقاء في مصالح الدول الكبرى وتقريباً معظم الحكام الحاليين أو الممكنين. وأمثال كابلان ربما سيكون دورهم التخطيط للاستعمار باسم آخر، وربما بأدوات وأشكال مختلفة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاستعمار لا عودة (خالد ابو ميرال)

    السبت 6 حزيران / يونيو 2015.
    نعم ان الاستعمار اداة تخدم الكيان الصهيوني لكن في ضل التكتلات العربية الاسلامية القائمة ناهيك عن الصراعات الطائفية العربية الا ان اصبح نتاجها قريب كداعش والمقاومة الاسلامية في الشام واليمن وغيرها من المقاومات الاسلامية تمثل عقبة للهيمنه الامريكية وحلفائها بلاضافة الى بعض القوى الاخرى بالمنطقة كالسعودية ومصر وهي نوعا ما تمتلك ترسانة عسكرية جيدة وقوية فان سياسة اضعاف هذه القوة واقحامها في صراعات داخلية وخارجية يخدم فكرة الاستعمار للمنطقة وبطبيعة الحال فان ردة الفعل الشعبية الاسلامية ستساهم في ارباك وزعزعت السلطات القيادية الدكتاتورية والنظم التي تخدم مصالح الغرب وما يجهل الكثيرون عن الاسلام فانه دين حق ان ضغطت عليه اشتد وان تركته امتد
  • »وهل تركنا المستعمر يوما؟ (ابو ركان)

    الخميس 4 حزيران / يونيو 2015.
    وهل ترك المستعمر القديم البلاد العربية اصلا حتى يعود ؟ فمن الواضح ان المستعمر القديم وان كان قد سحب جنودة الشقر من المنطقة الا انه استمر باستعمار المنطقة باساليب اخرى ومنها اختيار الزعامات المحلية التي عينها تعيينا قبل سحب جنوده والتي بقيت تخدم المستعمر وتحافظ على مصالحة وتقمع شعوبها حتى يومنا هذا . استقل العرب صوريا فقط وليس فعليا .
  • »خير امة انزلت للناس (سلم)

    الخميس 4 حزيران / يونيو 2015.
    وااووو كمان نظريه من نظريات المؤامرة, سبحان الله نحن شعوب نسطر الأمثلة في الحضارة واحترام حقوق الانسان, دولنا وشعوبنا قادره على الصناعة و الابتكار التكنولوجي , ولولا التدخل الغربي لكنا اكتسحنا العالم بإبداعاتنا وقوتنا العسكرية. نعم المشكلة في الاخرين و ليس فينا .
  • »رغبات صهيونية (]د.عاصم الشهابي)

    الخميس 4 حزيران / يونيو 2015.
    أضيف الى مقال كاتبنا الدكتور عزم التالي: مقال السيد الإسرائيلي-الأمريكي الصهيوني يعبر عن رغبات الصهيونية العالمية التي تريد ان تبقى منطقة المشرق العربي مستعمرة أو تحت نفوذ أمريكا وإسرائيل لفترة طويلة من الزمن، وذلك لغرض تثبيت الكيان الصهيوني في فلسطين وإنهاء اي أمل لقيام دولة لفلسطين خلال القرن الحالي.بالرغم من قوة إسرائيل العسكرية والنووية والأقتصادية فأنها تعرف بأنها لا تزال ضعيفة ويمكن التأثير عليها، وخاصة بمساعدة الرأي العالمي الذي يتعاطف مع فلسطين. إذا بأختصار كشف السيد كابلان بأن ما يحدث في بلدان المشرق العربي ليس سوى جزء من مخطط تفتيت وتدير المنطقة بأيدي عربية وأجنبية عبر مخطط شرير لخدمة إسرائيل. ويبقى السؤال متى يستيقظ العرب من غفلتهم ويوقفوا صراعاتهم البائسة والمدمرة لمستقبلهم لسنوات طويلة.
  • »حدث ولا حرج.. (عادل الحكيم)

    الخميس 4 حزيران / يونيو 2015.
    القضية واضحة وضوح الشمس، بعد ان تم تدمير قدرات الجيش العراقي، والسوري ، والليبي .... وفي الطريق سيتم تدمير الجيش السعودي ، وجيوش دول الخليج.
    اما الجيش المصري فقد تم اشغاله بالحكم ، والسياسة ، والانقلابات العسكرية ، والفساد ، والمافيا العسكرية من خلال التحكم بالمشاريع الاقتصادية ، وبتوقيع كامب ديفيد ، لحماية امن العدو الصهيوني.