كم هي مخيفة سنة 1949

تم نشره في الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً

هآرتس

ميخائيل سفراد  9/6/2015

مبروك. إنتهى العام 1948 للاحتلال. لقد كان هذا عاما جيدا بالتحديد، العام الذي اعتدلت فيه احدى العُقد المركزية التي يعاني منها المجتمع الاسرائيلي. العام الذي سُرعت فيه عملية بلورة الشخصية الجماعية لنا والتي تعاني منذ سنوات – وقد يكون ذلك منذ البداية وبشكل حاد في سنوات الاحتلال – الامر الذي كان الاطباء النفسيون سيسمونه "عقدة الهوية غير الاجتماعية". وبلغة البسطاء "انفصام الشخصية".
  الشخصيتان اللتان تعيشان في روح المجتمع الاسرائيلي استطاعتا ايجاد وضع راهن، رغم العداء بينهما، لكن العام 1948 أشار الى ازدياد قوة واحدة على حساب الاخرى، لدرجة أننا نجد في الأفق كيف أن قابيل يخطط لقتل هابيل.
على عكس الادعاءات في اوساط راديكالية معينة، فانه يوجد للمجتمع الاسرائيلي والدولة الاسرائيلية أسس ليبرالية عميقة وقوية. مبنى النظام الاسرائيلي الذي يشمل سلطة تشريعية منتخبة وفصل للسلطات، وموقف يقول بسيادة القانون واختيار محكمة العدل العليا منذ البداية تقديم مبدأ حرية التعبير الى درجة حق أساس مُشرع والدفاع عن هذا الحق بشكل مطلق. كل هذه الامور لم تولد بالصدفة، وتعريف الدولة كدولة يهودية، وتقديس القومية، وطرد اولئك الذين كانوا هنا عند اقامة الدولة، والصراع العنيف مع جيراننا وخلق واقع متدني لاولئك الذين يعانون من التمييز الممأسس والممنهج كونهم من القومية الفلسطينية – كل ذلك ايضا يعتبر أسس عميقة وقوية، ويميز المجتمع الاسرائيلي.
هكذا، خلال سنوات طويلة رقصت الشخصيتان الكابويرا في المجال الاسرائيلي العام، الى جانب تشريع يعكس حقوق أساسية وعليا لفكرة كرامة الانسان، والى جانب تعدد سياسي، فني وأكاديمي، خلقنا بيروقراطية وسياسة عامة تحافظ على السيطرة العليا وإرساء القمع والتمييز، واستطعنا بالتحديد من خلق وحش يسمى الاحتلال، الذي استمر لسنوات طويلة، حيث تُصادر حقوق المواطن من الملايين، ونحن نعيش ونتغذى على مصادر ارضهم وعلى حسابهم، والاحتلال خلال سنوات طويلة رجح كفة اللاليبرالية الإسرائيلية، وكلما مر الوقت كلما اضطررنا، من اجل الحفاظ على السيطرة على الملايين، الى عمل المزيد، وتحولت أثقال الاحتلال في الكفة الى أكبر فأكبر، الامر الذي زاد من القوى الغير ديمقراطية، القومية والعنصرية. هذه المشكلة النفسية الصعبة تجد تعبيرها الاكثر وضوحا في قرارات محكمة العدل العليا. ايضا في المؤسسة القضائية العليا ظهرت عقدة تعدد الشخصيات. فعلى مدى السنين أصدرت محكمة العدل العليا قرارات حكم ليبرالية وفعالة تتناول مجموعة كبيرة من حقوق الانسان، والتي أعطيت في صراع ومواجهة ليست بسيطة مع السلطات الاخرى، منها الدفاع عن حرية التعبير، والدفاع أمام الفرائض الدينية وضمان المساواة في الحقوق، وقرارات حكم مهمة تتعلق بالدفاع عن الحيوانات. في نفس الوقت أظهرت محاكم أخرى قرارات سلبية ومحافظة بشكل متطرف. واستعداد للتضحية بحقوق أساسية باسم الأمن، وسمحت قراراتها بأي عمل أو سياسة قامت بها الدولة في المناطق، وأعطت ختم الصلاحية لافعالنا هناك: الطرد، هدم البيوت، مصادرة الاراضي، القتل، الاعتقالات الادارية بشكل واسع، تقييد الحركة والفصل بناء على الانتماء القومي وما أشبه.
كل سنة اضافية هي سنة صعبة لمن يريد اسرائيل ديمقراطية مبنية على الأسس الانسانية. التعود والادمان على السيطرة على الفلسطينيين تحول الى جزء لا ينفصل عنا، وجزء مركزي من شخصيتنا الفردية والجماعية. العام 1949 جلب معه حرب لم يسبق لها مثيل في بشاعتها ضد السكان في غزة، حكومة تقول بشكل علني إنها ضد التعددية ورئيس حكومة لا يتردد في الركوب على أمواج العنصرية في طريقه الى المكتب. في هذه السنة أيضا أغرقتنا المحكمة بقرارات تثير الفزع من أن هذه المؤسسة قد تراجعت فيها القوى الليبرالية، مثلا من الصعب كبح جماح قرار يتعلق بالمقاطعة الاقتصادية، حيث قيدت المحكمة حرية التعبير وحرية العمل السياسي غير العنيف، الذي لا يوجد له مثيل في أي دولة ديمقراطية مع مؤسسة قضائية تعتبر أن الحريات الفردية ذات قيمة. الموافقة على الطرد مرة ثانية للبدو في أم الحيران في النقب من اجل نواة يهودية، ومنع التعليم في الجامعة المفتوحة للسجناء الأمنيين من خلال مجموعة من قرارات الحكم التي تسمح بالمس بالحقوق الاساسية، التي ليست لدواعي أمنية.
 اذا كان العام 1948 هكذا، فان العام 1949 سيكون مخيفا جدا، الذي ندخل اليه هذه الايام. ويبدو أن عملية انهيار الأساس الديمقراطي ستتواصل وبشكل أسرع. والفاشية والمكارثية تجاه كل من يفكر بشكل مختلف، تهدد بتفكيك ما تبقى من الشخصية الليبرالية. من المؤلم أن الأمر يحدث باسم القيم اليهودية. لو كنا بالفعل دولة يهودية لكان العام 1949 عام الاحتفال، عام عدم الزراعة السابع في دورة الحقول. والسنة التي تسبق سنة اليوبيل، التي يتحرر فيها العبيد والمومسات. لكن في الاحتلال لا توجد إراحة للارض ولا يوجد يوبيل. قطع الاشجار واستغلال العمال بدون توقف. أهلا بالقادمين الى العام 1949.

التعليق