الضبط البوليسي للامتحان العام ينبئ عن خلل تربوي قيمي فادح وفاضح

تم نشره في الأحد 14 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • طلبة في باحة إحدى المدارس الحكومية بمنطقة بعمان.-(تصوير: ساهر قدارة)

حسني عايش

تربى العربي في الجاهلية على الأنفة والشمم، كما يمثلهما عمرو بن كلثوم، في قصيدته المشهورة التي جاء فيها:
ألا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ويبدو أن تأثير الجاهلية هذا في مزاج العربي وشخصيته مستمر إلى اليوم. ذلك أن المسؤول لا يقبل الرجوع عن قوله الخطأ، أو عن قراره الخطأ، وأن تبين فيما بعد أن قوله أو قراره خطأ. ويشتد تمسك العربي برأيه او بالخطأ طردياً مع درجته أو موقعه على السلّم الاجتماعي أو الإداري أو السياسي.
أحد النواب المحترمين، الذي علقنا عليه الآمال عندما كان يعد نفسه للنيابة مبكراً، أيد بشدة عقد امتحانات عامة للصفين السادس والتاسع الإلزاميين، متجاهلاً كل ما كتب من سلبيات عن هذه الامتحانات، التي تثبت صحتها بعد تقديمها. لقد دعا إلى تكريسها والتشدد فيها، أي بولستها، رافضاً الاعتراف بخطأ رأيه بعدما رأى بأم عينيه فشلها.
من جهتي، لا أدعو إلى عدم إجراء امتحانات عامة في مرحلة التعليم الإلزامي، بسبب سوء الإدارة أو الغش الذي يصاحبها، وإلا كان موقفي معيباً. أرفض اعتمادها تربوياً وعلمياً، احتراماً لنظريات التربية والتعليم، وخبرات ودراسات وأبحاث عظماء المربين، حتى وإن تم إجراؤها بنجاح تام. لقد أثبت قانون "كمبل" فشل مثل هذه الإجراءات، في كل قطاع وميدان، يزداد فيه استخدام مؤشر اجتماعي كمي (هنا الامتحانات/ العلامات) لاتخاذ قرار اجتماعي بموجبه (النجاح والرسوب أو القبول في الجامعة أو التعيين في وظيفة)، يزيد خضوعه لضغوط الفساد، وتشويه العملية الاجتماعية وفسادها، والتي اعتمد هذا المؤشر لمراقبتها أو تقييمها أو تحكيمها. يستطيع أي مطلع على هذا القانون تفسير الفساد الكبير في "الفيفا"، وفي كل المسابقات والمنافسات، التي يتم التركيز عليها وإعلاء شأنها.
ترى هل حاول مسؤول في الامتحانات الاطلاع على هذا القانون، مع أنني أشرت إليه مراراً؟ إنهم لا يفعلون، لأنهم يرغبون في الامتحان العام، فيتجنبون كل ما ينفرهم منه، ويبحثون عن كل ما يسعفهم في تبنيه. وهل اطلعوا على مئات بل آلاف الأبحاث والدراسات والكتب، التي تؤكد فساد الامتحان العام، الذي فرضه بوش الابن في أميركا، وفشله في تحقيق أهدافه؟
 يكفي الاطلاع على كتاب واحد مثل:Collateral Damage : How High – Stakes Testing Corrupts America's Schools للمؤلفين الأستاذين شارون ل. نيكولاص (سيدة) ، وديفيد س. بيرلنر، ليصاب الامتحانيون بنكسة كبيرة، عندما يكتشفون الغش، الذي تفشى في المدارس الأميركية، وشارك فيه المعلمون والمعلمات والمديرون والمديرات، ليرفعوا علامات تلاميذهم وتلميذاتهم. بعد صور قانون بوش للامتحانات العامة (No Child Left Behind: NCLB)، الذي ترك الآلاف المؤلفة من الأطفال وراءه.
إن الاعتراف بالخطأ في نظر العربي عار، وليس فضيلة أو شجاعة. لسان حاله يقول: ماذا يقول الناس عني إن فعلت.
لطالما وعظنا أطفالنا في الأسرة والمدرسة والجامع والمجتمع عن فضيلة الاعتراف بالخطأ، ولكننا نعلمهم العكس في ممارساتنا، وأن الاعتراف به ذل والتمسك به شجاعة.
إن التربية والتعليم قوة ناعمة (Soft Power)، نكون بها الطفل ونصوغه في إطار الحرية والاستقلال والتعددية والصدق والعدل والإبداع والابتكار واحترام حقوق الإنسان. إن الامتحانات العامة قوة خشنة أو عنيفة (Hard/ Violent Power ) لأنها تقرر مصير الطفل وتخيب أمل ذويه بعشر علامة، بإجابات عن أسئلة انتقائية، تتغير بتغيرها، أو ينتهي مفعولها بعد تقديم الامتحان العام. إنها لا تستطيع قياس نزعة القيادة، أو الريادة، أو المبادرة، أو التعاون، أو الإبداع، أو الابتكار.. عند الطفل، مع أنها أهم بكثير من كل ما يتطلبه الامتحان العام.
البديل التربوي الناجح، والقابل للاستخدام مرات في العام، دون اعتراض أو نكد، هو الاختبار بالعينة، وتوسيعها عند اللزوم لزيادة مصداقيتها، فالعينة قوة ناعمة، لأنها لا تؤدي إلى التوتر والطوارئ، ولا الى الغش، ولا إلى استعداء الأطفال وذويهم، ولا إلى الاستعداد المسبق للاختبار. كما أنها تكشف عما نريد معرفته، وتحمل المعلم والمدرسة والوزارة مسؤولية النتائج، وتدعوهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإصلاح العيوب، وسد الثغرات إدارياً وفنياً.
يبدو أن الناس تعودت على استدعاء الشرطة والدرك، لضبط كثير من السلوكيات الفردية والاجتماعية السلبية، التي تكررت وترسخت لدرجة لم يعودوا يرون في استدعائها عيباً. ولذلك تراهم سعداء؟! بالاتفاق الذي تم بين وزارتي التربية والتعليم والداخلية لضبط امتحان الثانوية العامة (التوجيعي) بوليسياً، بعد أن عجزت وزارة التربية والتعليم عن ضبطه إدارياً، وكما كان عليه الأمر طيلة السنوات السابقة للانهيار الأخلاقي في التعليم والمجتمع.
لم يفكروا في معنى هذا الاتفاق ودلالاته، وإلا لقرعوا الأجراس، أو أطلقوا صفارات الإنذار، للتحذير من هذا الانهيار. لم يدر بخلدهم أنه إذا كان لازماً إعلان حالة الطوارئ لعقد امتحان الثانوية العامة، واستدعاء الشرطة والدرك لضبطه، فإننا سنحتاج غداً إلى استنفار القوات المسلحة، إذا أصررنا على إجراء الامتحانين العامين للصفين السادس والتاسع الاساسيين، ثم لبقية الصفوف.
لم يفكروا في الاتفاق السنوي هذا تربوياً، وأنه دليل على خلل تربوي قيمي فادح وفاضح، في التربية والتعليم، يجب أن يعالج، وبحيث يتقدم التلاميذ للامتحان، ويؤدونه بهدوء وأمانة وصدق، دون رقابة. هل سمعتم أو رأيتم بلداً محترماً في العالم، تجري فيه الامتحانات تحت السلاح؟! لو يفكر المسؤولون والناس في مغزى الاتفاقية، لطالبوا بإصلاح التعليم والتعلم قيمياً.
ينسى الذين نناديهم ان كانت لديهم حياة، وندعوهم للتفكير والتأمل وإعادة النظر، إن أول عمل يقوم به مجلس التعليم العالي بعد ظهور نتائج امتحان الثانوية العامة، هو الالتفاف عليها، أي عدم الاعتراف بها، بأسس القبول المعتمدة القائمة على الاستثناءات والاقصاءات والكوتات، بأعذار ومبررات تسقط في نهاية التحليل، فأسس القبول الحالية في الجامعات تُكرِّس (حسب نظرية سكنر) تراجع التربية والتعليم، ولا تدعو إلى المثابرة والاجتهاد، عند الذين يعرفون مسبقاً، أن مقاعدهم في الجامعة مضمونة بالاستثناءات والكوتات.
هل تحب بلدك أكثر من أي بلد آخر في العالم؟ إذن، فانقد إجراءاته وقراراته السلبية. واحتفظ بحقك الدائم في نقده وبمقدار ما تحبه. هذا ما يدعونا إليه أحد المفكرين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلامك يوجع (اسعد)

    الاثنين 15 حزيران / يونيو 2015.
    اخر اربع كلمات من مقالك غير موفق.

    يجب ان تقول " هذا ما نحن نريد لنرتفع"

    كان رأس مال الاردن التعليم. الان قاعدين يخسروا برأسمالهم.
    وبعدين؟؟؟؟؟؟