الذكاء الرمزي

تم نشره في الاثنين 15 حزيران / يونيو 2015. 12:06 صباحاً

هل تغيرت قيمة الرموز وأهميتها في الصراعات في القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة المتأنية تؤكد أن الحروب الجديدة هي حروب رموز بامتياز، تعتمد على القدرة في إبداع الرموز وتوظيفها في الوقت والزمان، وعلى ما يمكن أن يطلق عليه الذكاء الرمزي، الذي يراكم نمطا جديا من القوة الناعمة التي بات فتكها وتأثيرها اليوم أكثر من القوة الصلبة التقليدية. ولأن موارد الرموز متاحة ومجانية، نجد أن الجماعات المنظمة وغير المنظمة والقوى الصاعدة، تملك قدرات غير محدودة في استثمار الذكاء الرمزي، كما هو حاصل وسط التنظيمات الدينية المتطرفة التي تحتل المشهد المعاصر اليوم.
التعامل الحرج مع معركة الرموز، يضرب بعيدا في العمق الاجتماعي والثقافي للمجتمعات الإسلامية؛ في الرنين الوجداني والروحاني للكلمات والمفاهيم والأشكال والألوان التي تأسس عليها التراث الروحي والثقافي الإسلامي عبر قرون طويلة، والتي تجدها التنظيمات الدينية المتطرفة موردا ثريا للتعبئة وكسب التأييد. فالرنين الثقافي والمعنوي لمفهوم "الدولة الإسلامية" أو "الخلافة الإسلامية" أو "النقود الإسلامية" أو "الراية الإسلامية"، بلا شك يأسر ألباب مئات الملايين من عامة المسلمين في شرق العالم وغربه، كما هي الحال بشأن الرموز والدلالات المنزوعة من سياقها التاريخي، والتي توظف اليوم إلى جانب عناصر المركب الدعائي المادي القائم على الصدمة والترويع ونشر الرعب.
هنا، يُستغل هذا المورد المشاع ويوظف في لعبة الخيال السياسي والاجتماعي للعامة، ما يطرح السؤال: لماذا تحتفي المجتمعات بهذه الرموز المصطنعة، وتنطلي عليها الخدعة؟ الإجابة المتأنية أيضا تأتي من حجم الفراغ الذي أوجدته هياكل الدول والمجتمعات، وعجزت على مدى عقود طويلة عن ملء هذا الفراغ. في هذا الوقت، نطالع شبه يومي  نتائج استطلاعات ودراسات مسحية حول اتجاهات المجتمعات العربية والإسلامية نحو التطرف والتنظيمات الإسلامية والكيانات التي قامت باسمها، وسط فوضى في الأرقام والإحصاءات ذهبت مذاهب شتى في مدى توفر ما يسمى بالحواضن الاجتماعية لهذه التنظيمات. ولا يمكن تجاوز حقيقة أن الرموز ودلالاتها الدينية والتاريخية، وما تثيره من خيال سياسي وعاطفي، تحتل مكانة مهمة في تحديد الخيارات والمواقف.
المعادلة الدعائية لتنظيم "داعش" قائمة على ركنين؛ مادي ومعنوي. في الركن المادي، تبرز قسوة دعاية الفعل؛ أي الأفعال المادية المقصود منها أثر دعائي. ومثالها المعروف كيف يستخدم التنظيم قطع الرؤوس كأداة إرهاب لمناوئيه. فمسألة الإعدامات وطريقة تنفيذها هي أفعال دعائية بحتة، هدفها إثارة الرعب والاستسلام. وعلينا التنبه إلى أن ظاهرة العنف السياسي؛ أي أشكال الإرهاب كافة، ليست ظاهرة ثقافية، بل مرتبطة بشكل رئيس بحياة الناس الاجتماعية والسياسية. أما الركن المعنوي، فيستند على المشترك الثقافي، بأبعاده الدينية والتاريخية، والذي يصعب تماما اختراقه أو بناء خطاب دعائي مقابل له أمام عامة مجتمع المسلمين. فلا يمكن، على سبيل المثال، بناء صورة لعدو يحمل مسمى "الدولة الإسلامية"، ولا بناء صورة تعكس واقع ما يمارسه البغدادي تحت مسمى "خليفة المسلمين".
إن معركة الرموز في الحرب على التطرف الديني سيكون لها دور أساسي في حسم هذه الحرب. وما يزال أداء قوى التطرف هو الأكثر فعالية والأكثر استفادة من الموارد المجانية، والتي بدورها هي الأكثر ثراء وتأثيرا. إن أي رد باستخدام الرموز يحتاج ذكاء خاصا في اختيار الرموز وتوظيفها؛ فهذه معركة أصعب من معارك الطلقات والكلمات التقليدية.

التعليق