جهاد المحيسن

أسفار رمضان

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015. 12:04 صباحاً

(1) سفر التنبؤ
يتسمر الناس حول جهاز التلفاز، متدينين وغير متدينين، ينتظرون خروج قاضي القضاة ليعلن ثبوت شهر رمضان من عدمه. فإذا ثبتت رؤية الهلال فغدا أول رمضان، وإذا لم يثبت فإن غداً هو المتمم لشهر شعبان. أُعلن غداً أول أيام الشهر الفضيل، يمتعض البعض، ويتمنى لو أن "النبوءة" تأخرت لليوم الثاني، ولكن قدر الله وما شاء فعل!
تضطرب حركة الشوارع، وكأن مسا أصابها؛ تتهافت النساء والبنات على السوق لشراء حاجات الشهر، على اعتبار أن الناس لم يشتروا قبله، وتبدأ المساجد بالتكبير والتهليل، وتزدحم بالمصلين شيباً وشباباً وأطفالا، يجذبهم المشهد الذي يتكرر مرة واحدة في العام. ويبدأ الشيخ مواعظه وحديثه عن فضائل رمضان، وتغلق السيارات الشواع؛ فالليلة هي أولى ليالي صلاة التراويح!
(2) سفر الرحمة
بدأ النهار الأول من الشهر الفضيل. الناس لم يشبعوا من النوم، لأنهم أمضوا الليلة بالسهر احتفالا بالشهر الفضيل. الدوام متأخر، والدردشات في أماكن العمل تتمحور عن النهار والحر، وما سيعدون للإفطار. في منتصف النهار تبدأ الململة، ويبدأ مفعول السكر المنخفض في الدم؛ المماحكات تنطلق من عقالها، والصوت العالي. وفي خضم أزمة الشوارع، يبدأ الصراخ والشتم، وربما العراك، من زحمة السير والطوابير لشراء القطايف والخبز قبل مغيب الشمس. وينتهي سفر الرحمة "اللهم إني صائم".
أذان المغرب حلّ. العدد محدود لا يتجاوز في أحسن الأحوال صفا من المصلين، فالكل متحلق حول ما لذ وطاب. والنتيجة تخمة، مع أن الصيام للتفكر في حال الفقراء، والزهد بالبطن والفرج واللسان. العمال الذين يعملون من شروق الشمس إلى مغيبها هم الذين يستحقون سفر الرحمة.
(3) سفر المغفرة
أعداد المصلين في المساجد تنخفض بعد انقضاء العشر الأوائل، في كل الصلوات؛ وتأخذ "العزايم" بين الأقارب الجزء الأكبر من الوقت، وتنشط من سفر الرحمة وحتى سفر العتق من النار، والجمعيات التي تجمع التبرعات للمساجد ودور القرآن ودور الأيتام، كما المتسولون. ويشدد شيوخ المساجد على أن الأجور مضاعفة ليسخى الأغنياء بما يفيض عن حاجتهم. والمسلسلات تنشر تهافتاتها على جمهور المتفرجين، والخيم الرمضانية تحفل بمختلسي الأنظار، من كلا الجنسين. ورمضان كريم.
(4) سفر العتق من النار
بلغ السيل الزبى؛ نقص السكر في الدم بشكل ملحوظ. وبدأ التململ من الشهر الفضيل؛ تعبنا من هذا الشهر، "رمضان فراقه عيد". المشاكل تزداد، والنبرات تتغير، وقواعد الرحمة والمغفرة تتغير. "نبرة" اللهم إني صائم تصبح "نترة"، عند كل استفزاز نقوم به كما يقوم به غيرنا. سفر العتق من النار أصبح أقرب إلى سفر العتق من رمضان، الأيام تعد بالثواني، ينتظر الناس إعلان العيد، وتعج الشوارع بالسيارات. الليلة العيد؛ انتهى مشهد الشعائر الدينية. البسطات مليئة بمختلف أنواع الملبسات والألعاب، إنه العيد بعد فراق رمضان.
كل عام ومعذبو الأرض بخير، وكل عام وحراثونا ورعياننا وعمالنا بخير!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال لطيف جدا (محمد)

    الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015.
    مقال لطيف جدا