عصا جماعة الإخوان المسلمين في الأردن!

تم نشره في الأربعاء 17 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً

م. غيث هاني القضاة

في قصيدته المشهورة "صبي الساحر"، يروي الشاعر الألماني "غوته"، قصة متدرب شاب عند أحد السحرة، تجرّأ على استخدام واحدة من الألاعيب السحرية لمعلمه لكي يبث الحياة في مكنسة كان من المفترض أن يستخدمها في تنظيف ورشة العمل. غير أنه لم يستطع بعد ذلك إيقافها. وعندما شعر باليأس من عدم قدرته السيطرة على جنون تلك المكنسة السحرية، قام ذلك الشاب بقطعها بفأس إلى نصفين، الأمر الذي جعل كل شطر منها يمتلئ بالحياة من جديد؛ فأصبح لكل نصف طاقة تشابه الطاقة الأصلية، وبشكل غير مسبوق. ولم يستطع الشاب السيطرة على الوضع إلا بعد عودة الساحر المعلم.
عند دراسة الحركات الإسلامية المختلفة، والتي قدمت لمجتمعاتها الخير الكثير، نجد أنه كان للحركات الوهابية والسنوسية والمهدية، رغم بساطة فكرها السلفي، السبق في بث بذور الصحوة الإسلامية التي جاءت لتواجه التحدي الحضاري حينها. لكنها جميعا كانت حركات محلية، لم تستطع الانتشار.
بعد ذلك، جاء تيار اليقظة والتجديد الذي تبلور حول جمال الدين الأفغاني رحمه الله، وعرف بتيار "الجامعة الإسلامية"، الذي نقد بشدة التخلف العثماني، وتصدى للغرب وللتغريب. ولكنه لم يكن تيارا أو تنظيما جماهيريا كبيرا. وتلته جماعة الإخوان المسلمين كحركة إحياء إسلامي على يد مؤسسها حسن البنا رحمه الله. وشكلت فصيلا مهما من فصائل التجديد الإسلامي الذي انتشر فكره بنجاح في الكثير من دول العالم.
لكن كانت إحدى سلبيات الجماعة، هي تلك المسافة الكبيرة والفارق الكبير بين فكر القائد حسن البنا ومرونته ووضوح رؤيته، وبين فكر رجالات الصف الثاني (في الجماعة) الذين كان معظمهم في السجون يتساءلون عن "إسلام المجتمع"، و"إسلام الأمة"، وجاهلية المجتمعات! وانتقل هذا الصراع الفكري ليأخذ أشكالا وأبعادا مختلفة، في دول متعددة. وقد نجحت الجماعة وقدمت نموذجا فريدا في مجالات عدة، واستمرت في العمل حتى جاء "الربيع العربي" الذي كسر حواجز الخوف التي قامت الأنظمة ببنائها على مر عقود. ومع تلك الحواجز كُسرت أيضا حواجز نفسية كنا قد بنيناها في أنفسنا تجاه جماعتنا.
لا أذيع سرا إذا ذكرت أنني ومجموعة من الإخوة والأخوات نعيش مخاضا فكريا عسيرا، يجعلنا نطرح أسئلة مشروعة، من قبيل: هل انطبق على جماعة الإخوان المسلمين ما ينطبق على الأمم؛ من حيث الصعود والهبوط؟ هل أدت الجماعة أهدافها واستنفدت أغراضها؟ هل بات هذا الاسم (الإخوان) اسما مقدسا لا يمكن تغييره؟ هل نستطيع بث أفكارنا وأهدافنا التي تربينا عليها، بقالب جديد واسم جديد؟ هل من مصلحتنا جميعا الدخول في صراع طويل مع الدولة ومؤسساتها في الأردن، حول مشروعية "الاسم"، وحول مشروعية الترخيص القديم وصلاحيته من عدمه؟ هل من مصلحتنا الانضمام إلى الجمعية الجديدة التي ولدت في ظروف وبيئة مشوشتين، وتم تشويهها وتخوينها والهجوم عليها من القريب والبعيد؟ هل نستطيع أن نقدم نموذجا جديدا يخدم الوطن ويعزز القيم والأخلاق، وهل سننجح في ذلك؟ هل نستطيع الانتظار سنوات طوال لتحقيق وإنجاح هذا النموذج الجديد، وأيضا انتظار النتائج؟
من نافلة القول أن أذكر أن  جماعة الإخوان تمتلك "جاها" سياسيا واجتماعيا فريدا في الأردن، تم بناؤه عبر العديد من العقود. ويحظى شخوصها وأعضاؤها باحترام كبير، وثقة شديدة بين الناس والمجتمع، وقد قدموا مشاريع ونماذج ناجحة على مر سنوات طوال. لكن، هل بتنا نعاني من جمود تنظيمي هيكلي، وجمود فكري سياسي، يجعلاننا غير قادرين على التقدم والاستمرار؟ هل باتت وسائلنا القديمة غير قابلة للعمل؟ هل تحقق هدف "الإخوان" الرئيس، وهو إعادة الأمة إلى هويتها الوطنية، وبالتالي وجب البحث عن أهداف جديدة فرضها الواقع، وحركة إحياء سياسية جديدة؟
ما الذي يجعل جميع التنظيمات الإخوانية في العالم العربي تستخدم اسماء مختلفة لتعمل من خلالها، كحركة النهضة في تونس مثلاً، فلا تبقى أسيرة استخدام هذا الاسم "الإخوان"؟ وهي نماذج ناجحة وقوية، تكاد تشكل إطارا فكريا جامعا في دولها، وتشارك في الانتخابات المختلفة، تنجح وتخسر، وهي جزء من النسيج الوطني في بلادها! ما الذي يجعلنا نتمسك بشدة بهذا الاسم ونحارب الجميع دونه هنا في الأردن؟ أليس من المصلحة التفكير في خيار ثالث، يقدم مشروعا متميزا نحافظ به على مكتسبات أخلاقية، ونعزز من خلاله منظومة القيم، وندخل المعترك السياسي بعيدا عن جميع التشوهات والأخطاء والعراك النفسي ولغة التخوين والتشهير، ومعركة الاستنزاف الذهني التي أرهقت الجميع؟ مع مراعاة أن تتم الإجابة، وبوضوح، في هذا النموذج الجديد على جميع الأسئلة المصيرية والحاسمة، وضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة.
هل نستطيع الاستفادة من تلك الطاقة السحرية في هذه "العصا" التي انشطرت أو تكاد، لنشكل تيارا فكريا سياسيا جديدا، نقدم من خلاله شيئا مختلفا؟ هل نعيش بحق مرحلة مخاض فكري قد ينتج شيئا متميزا؟ هل ما حصل من أحداث يدفع بالاتجاه الصحيح؛ مهما اتفقنا أو اختلفنا مع ماهية هذه الأحداث؟ وهل هي محطة تحول فكرية وسياسية، لا بد أن نخوضها للتحول إلى محطة أخرى، بعيدا عن المقولات العاطفية التي ستبدأ بالقول إن الانسحاب والتخلي عن الجماعة الأم في هذه الأيام هو نوع من عدم المصداقية وعدم المروءة.. وغير ذلك، ولتبدأ حينها الاغتيالات الشخصية للشخص وليس للفكرة، كما اعتدنا عند كل جديد؟
أعلم تماما حجم الضريبة الشخصية والنفسية التي سندفعها نتيجة هذا التحول في التفكير. ولكنه تفكير مشروع، وتنظير مطلوب. فإذا كان الفقهاء يجتهدون في مواضع النصوص الإلهية، فإنه لا يعيبنا إطلاقا أن نجتهد في مواضع النصوص البشرية.

التعليق