محمد أبو رمان

"حروب النماذج"

تم نشره في الخميس 18 حزيران / يونيو 2015. 12:08 صباحاً

حالة الفوضى الإقليمية من جهة، وصعود الحركات الإسلامية المتشددة المعادية للأردن في دول الجوار، من جهة أخرى، دفعا بدوائر القرار إلى بعث رسائل واضحة وصريحة على الصعيد العسكري، والقيام بترتيبات واستعدادات ميدانياً، تحسباً لمواجهة أي خطر. والحال نفسها على الصعيد الأمني.
تحولت الرؤية الاستراتيجية الأمنية، مؤخراً، من مفهوم "الدفاع" إلى "الردع"، ليس بالضرورة بصورته المباشرة، بل ربما عبر شبكة العلاقات والدعم والإسناد التي يقدمها الأردن لحلفائه في المناطق المجاورة؛ مثل الجبهة الجنوبية في جنوب سورية، أو العشائر في شرقها وفي غرب العراق.
هذه الاستعدادات مهمة، وضرورية لحماية الأمن الوطني، لكنّها تتزاوج في قناعة أغلب المسؤولين والنخب السياسية مع قبول تغول الاعتبارات الأمنية والعسكرية على الجانب السياسي الإصلاحي، وتبرير أي تأخير أو تباطؤ في هذا المسار بذريعة الظروف الإقليمية المحيطة. بل هناك رواية رسمية، ضمنية، تربط ما يحدث من فوضى بالديمقراطية و"الربيع العربي"، ما يجعل المسألة وكأنّنا نتعامل مع معادلة متناقضة؛ المنظور الأمني بديلاً للإصلاحي، أو بعبارة أخرى "السياسة في رعاية الأمن"!
إهمال الإصلاح السياسي أو تجاهله، قد يكون أخطر علينا من التحديات العسكرية والأمنية المطروحة. فمن يعيد قراءة ما يحدث في المنطقة من أهوال وأزمات داخلية طاحنة، سيجد أنّ العنوان الرئيس لها ليس الديمقراطية التوافقية، ولا الحراك السلمي الشعبي، بل هو "أزمة الدولة الوطنية" العربية، وإصرارها على ممانعة الإصلاح، حتى وصلت الأزمات إلى حدّ الانفجار؛ أو الثورة المضادة التي عملت على الالتفاف على المطالب الشعبية السلمية بالإصلاح.
الأكثر خطورة من التهديدات والتحديات الخارجية، هو التحديات الداخلية، بالنظر إلى التجارب المحيطة كافة. فتنظيم "داعش" لا يتمدد إلا في حواضن اجتماعية، وهذه الحواضن تتطلب أزمات وفوضى وانقسامات داخلية، أي "القابلية الداعشية". فيما لا يستطيع التنظيم اختراق مجتمعات ذات توافق ديمقراطي سياسي وطني، ودولة وطنية تشتغل على الإصلاح وإدماج جيل الشباب في الحياة العامة، وتطوير "الوسائط الاجتماعية" والمجتمع المدني، وتعزيز الشفافية والحوكمة.
ما يمكن أن يهزم "داعش" حقّاً، وأي تحدٍّ آخر، هو نجاحنا في بناء النموذج الأردني الحضاري الجاذب، الذي يتوافر على شروط رئيسة: قدر جيد ومحترم من الديمقراطية والتعددية والمشاركة في القرار السياسي (من مداخل "داعش" الشعور بالتهميش والإقصاء)، ونظام اقتصادي يقوم على النزوع نحو التنمية المتكاملة العادلة، ودولة حاكمية رشيدة فيها سيادة القانون والمواطنة، وتعيد الاعتبار للتعليم والتنوير والتقدم، ومعادلة تزاوج بين الحداثة والتدين.
من الضروري أن ننظر إلى الأمام، وأن نفكّر دوماً في التقدم؛ وأن نتخلى عن "السيمفونية" المملة "انظروا لما حولكم، فنحن أفضل حالاً"! نعم، ذلك صحيح، لكن المهم هو أن نطوّر البلاد، وأن نفكّر دوماً بعقلية إصلاحية نقدية، وألا نشرعن الأخطاء والانحرافات والاختلالات بذرائع الأمن والخوف مما يحدث في الجوار.
الشعار البديل المطروح هو "الأمن في رعاية الإصلاح". فالمنظور الأمني الإنساني المتكامل، هو الذي من المفترض أن يحكم رؤيتنا للمستقبل والأجيال القادمة. وطالما أنّ عجلة التقدم تسير إلى الأمام، فإنّ الجبهة الداخلية الوطنية ستكون هي السور المنيع ضد أي فيروس ينتقل إلينا من الجوار.
نحن أفضل بكثير من غيرنا، وقد تجنّبنا الكوارث التي أصابت أشقاءنا، والأردن هو واحة الأمان في المنطقة.. كل ذلك صحيح، لكنّه مرهون بقدرتنا على تقديم "النموذج المستقبلي" البديل، الذي يقنع الشباب الأردني والعربي بأنّ هناك خياراً آخر غير المسار العدمي المتشدد المسكون بالإحباط والانتقام وانغلاق الأفق السياسي، فحرب النماذج اليوم أخطر من الحروب العسكرية والأمنية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفساد (المزايدة)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    لا ادري كيف نقنع الشباب ان الاردن دولة حضارية...و نمنعهم من الخروج على ثوابت الدوله و هم يرون ان الفساد مؤسس في الدوله، والا كيف يكون مهندس زراعي في الدرجة السابعة مديرا لمكتب اشغال وهو بحماية وزير الاشغال (السلطة التنفيذية) ومجلس النواب ،(السلطة التشريعية )
  • »كلام أكثر من رائع (مواطن مغلوب على امره)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    اشكرك على هذا الطرح الرائع, هذا ما نريده حتى تبقى الاردن منارة وواحة للأمان, وسدا منيعا امام الاعداء.
  • »صحيح (ahmad)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    الاخ الكاتب العزيز

    اعتقد انك اصبت في مقالك كبد الحقيقة , فالتطرف هو نتيجة التهميش و الاقصاء و ممانعة الاصلاح. و عدم دفع الشباب دفعا للتطرف بالتضييق على الحريات و تفصيل ديمقراطية على المقاس.
  • »المقارنة مع النماذج المتقدمة فقط (صلاح الدين)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    نحن افضل من غيرنا وهناك غيرنا افضل منا واذا ما اردنا التقدم والازدهار علينا ان نقارن انفسنا بمن هم افضل منا لنصل الى درجاتهم او حتى نتجاوزهم اما ان نستمر في مقارنة انفسنا بنماذج متخلفة او تقودها عقليات السبعينات والثمانينات فهذا لا محالة سوف يؤدي الى مزيد من التراجع والاحباط ويمنع التقدم والازدهار فمن اراد التقدم نظر للامام لا الى الخلف اوافقك تماما استاذ محمد
  • »طوح ..... ولهب (محمد عوض الطعامنة)

    الخميس 18 حزيران / يونيو 2015.
    طموح .. ولهب ...... عنوان تعليق محمد عوض الطعامنه على مقالة الدكتور الأستاذ محمد ابو رمان المنشوره في جريدة الغد هذا الصباح بعنوان (حروب النماذج )....
    ليس اخطر علينا هذه الأيام من تلك المشاعر والتوقعات التي نتوجس منها ، وشعورنا وتقديرنا انا نعيش داخل دائرة محاطة باللهب ، يتمثل همنا الأول في تجنب اوارها من ناحية ومن ناحية اخرى الإبتعاد عنها ، او النية في ابعاد نارها من جهة اخرى .
    الأردن الذي استطاع رغم امكاناته المادية المتواضعه أن يبني هذه المنظومة من القيم النبيلة التي تمثلت بالوسطية والإعتدال ومسالمة كل ابناء امته في كل الأقطار العربية الشقيقه طيلة العقود العصيبة الفائته ،ليس عليه ثمة من ملامة إذا ما شارك في هموم تلك الأقطار وساهم في اطفاء حرائقها ، خاصة وانه كان السباق وجيشه دائماً لنصرة من طالبوا المساعدة منه... ولكن وهو يوازن بعقلانية وتبصر بين الطموحات والإرادات من جهة وبين الإمكانات والقدرات من جهة اخرى ، وإلا سوف نقع في اتون النيران التي نطمع ان نساهم ونساعد في إطفائها .
    من اقدار هذا الشعب الأردني المرابط المصابر أنه شعب طموح حيوي يتفاعل مع هموم امته وأوزارها ، ولكنه يعاني من قلة الموارد والإمكانات وينشغل بل ينكب بجد وهمة في السنوات القليلة الماضيه لإصلاح بنيته الإقتصادية والإجتماعيه ، لهذا زادت مديونيته وتعاظم فقره ، خاصه وانه انشغل منذ ثلاثة سنوات بواجب استضافته لاكثر من ثلاثة ملايين لاجئ عربي هربوا من ويلات حروب بلادهم ! ...فكيف يمكن ان تكون احواله لو انصهر في بوتقة حربهم تلك الغير عادلة ؟
    لن يقيض الله النجاح لأمة تشرذمت ، يوم لم تتفق على رأي يجمعهم ، وبدل ان تحتكم الى العقل والقانون احتكمت الى السلاح ، والاردن والاردنيون غير معنيين بهذا وهم لا يناصرون احدا ضد احد كلهم اخوتنا في الدين والعروبة والقوميه ....
    دعوة الأستاذ الكاتب الى الألتفات الى الإصلاح في ظل مثل هذه الظروف القاتلة وهذا الزمن الغاضب هي دعوات اشبه بالأحلام ، كيف يمكن تحقيقها ؟ سؤل كبير نتمنى لو نقتنع بإجابة عليه .