"النقد الدولي" و"الخيارات الصعبة" بشأن اليونان

تم نشره في الأحد 21 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً

جيمس جالبريت*

أثينا ـ مؤخرا، طرح كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي، أوليفييه بلانشار، سؤالا بسيطاً ومهما: "ما هو حجم التعديل والتكيف المطلوب من اليونان، والمطلوب من دائنيها الرسميين؟" ولكن هذا السؤال يثير تساؤلين آخرين: ما هو حجم التعديل الذي نفذته اليونان بالفعل؟ وهل قَدَّم دائنوها أي شيء على الإطلاق؟
في شهر أيار (مايو) من العام 2010، وافقت الحكومة اليونانية على ضبط الأوضاع المالية بما يعادل 16 % من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2010 إلى 2013. ونتيجة لهذا، انتقلت اليونان من عجز الميزانية الأولية (الذي يستبعد أقساط الفائدة على الدين) الذي تجاوز 10 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى توازن أولي في العام الماضي ــ وهو أكبر ارتداد من هذا القبيل في أوروبا في مرحلة ما بعد الأزمة.
في مستهل الأمر توقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل تبعاً للتضخم) في اليونان بنحو 5 % على مدى الفترة 2010-2011، ثم يستقر في العام 2012، وينمو بعد ذلك. والواقع أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفض بنسبة 25 % ولم يتعاف. ولأن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي انخفض في العام 2014 وما يزال مستمراً في الهبوط، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي كان من المفترض أن تستقر قبل ثلاث سنوات، مستمرة في الارتفاع.
يلاحظ بلانشار أن اليونان في العام 2012 وافقت على "توليد القدر الكافي من الفائض الأولي للحد من مديونياتها" وتنفيذ "عدد من الإصلاحات التي ينبغي أن تؤدي إلى نمو أعلى". وتضمنت تلك الإصلاحات المزعومة خفض الإنفاق العام بشكل حاد، وخفض الحد الأدنى للأجور، والخصخصة بأسعار بخسة، وإنهاء المساومة الجماعية، وخفض معاشات التقاعد بشكل عميق. وقد نفذت اليونان المطلوب منها بحذافيره، ولكن الكساد استمر.
وافترض صندوق النقد الدولي وغيره من دائني اليونان أن الانكماش المالي الهائل لن يخلف سوى تأثير مؤقت على النشاط الاقتصادي، وتشغيل العمالة، والضرائب، وأن خفض الأجور ومعاشات التقاعد والوظائف العامة له تأثير سحري على النمو. وقد تبين أن ذلك الافتراض خاطئ تماما. بل إن ضبط الأوضاع المالية في اليونان في مرحلة ما بعد العام 2010 أدى إلى كارثة اقتصادية ــ وأسوأ فشل لتوقعات صندوق النقد الدولي على الإطلاق.
كان من الواجب أن يدرك بلانشار خطأ الإصرار على هذا الفشل الذريع. فبمجرد "انقطاع الصلة بين الإصلاح والنمو ــ كما كانت الحال في اليونان ــ تنهار حجته. ففي غياب المسار إلى النمو، يصبح طلب الدائنين بفائض أولي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5 % في نهاية المطاف بمثابة الدعوة إلى المزيد من الانكماش، بدءاً بركود عميق آخر هذا العام.
ولكن بدلا من الاعتراف بهذا الواقع وتعديل الأوضاع وفقاً لذلك، يضاعف بلانشار الضغط على معاشات التقاعد، فيكتب:
"لماذا الإصرار على معاشات التقاعد؟ إن معاشات التقاعد والأجور تمثل نحو 75 % من الإنفاق الأولي: وقد تم خفض نسبة الـ 25 % الأخرى إلى أقصى حد ممكن بالفعل. ويمثل الإنفاق على معاشات التقاعد ما يزيد على 16 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتقترب التحويلات من الميزانية إلى نظام التقاعد من 10 % من الناتج المحلي الإجمالي. ونحن نعتقد أن خفض الإنفاق على معاشات التقاعد بنسبة 1 % من الناتج المحلي الإجمالي (من أصل 16 %) مطلوب، وأن هذا من الممكن أن يتم مع حماية أكثر المتقاعدين فقرا".
ولنلاحظ هنا أولاً الاعتراف الدامغ: فبعيداً عن معاشات التقاعد والأجور، تم خفض الإنفاق "إلى أقصى حد ممكن" بالفعل. ولنتذكر أن تأثير هذا النهج على النمو كان سلبيا. وعلى هذا، ففي تحد للأدلة الدامغة، يريد صندوق النقد الدولي الآن أن يستهدف القطاع المتبقي، معاشات التقاعد، الذي خضع بالفعل لتخفيضات هائلة ــ أكثر من 40 % في بعض الأحيان. والتخفيضات الجديدة المطلوبة من شأنها أن توجه ضربة شديدة القسوة للفقراء.
تمثل مدفوعات التقاعد الآن 16 % من الناتج المحلي الإجمالي اليوناني على وجه التحديد لأن اقتصاد اليونان أصبح أصغر حجماً بنسبة 25 % عما كان عليه في العام 2009. ولولا خمس سنوات من التقشف الكارثي، فربما كان الناتج المحلي الإجمالي اليوناني ليصبح أعلى مما هو عليه الآن بنسبة 33 %، وكانت ميزانية التقاعد لتصبح 12 % من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 16 %. والحسابات هنا واضحة ومباشرة.
يدعو بلانشار حكومة اليونان إلى فرض "تدابير ذات مصداقية حقا". ألا ينبغي لصندوق النقد الدولي أن يفعل المثل؟ فلخفض معاشات التقاعد بمقدار نقطة مئوية واحدة من الناتج المحلي الإجمالي، يكفي تحقيق نمو اقتصادي اسمي بنسبة 4 % فقط سنوياً لمدة عامين ــ من دون المزيد من التخفيضات. فلماذا إذن لا تتخذ "تدابير ذات مصداقية" لتحقيق هذا الهدف؟
وهذا يعيدنا إلى الدين اليوناني. كما يعرف الجميع في صندوق النقد الدولي، تُعَد أعباء الدين الثقيلة التزام ضريبي غير ممول يقول للمستثمرين: ادخلوا على مسؤوليتكم. وفي أي وقت، ربما يتم فرض ضريبة على استثماراتكم وأرباحكم وعملكم الشاق لتغذية الملك الموقوف لمقرضي الماضي. وأعباء الدين عقبة تحول دون تحقيق النمو. ولهذا السبب، تنتهي كل أزمة دين، إن عاجلاً أو آجلا، إلى إعادة الهيكلة أو العجز عن السداد.
إن بلانشار رائد في اقتصاد الدين العام. وهو يعلم أن ديون اليونان لم تكن مستدامة في أي وقت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأنها ليست مستدامة الآن. وعلى هذه النقطة، يتفق صندوق النقد الدولي واليونان.
الواقع أن اليونان لديها اقتراح معقول لمعالجة الدين. ويقضي هذا الاقتراح أولاً بأن تقدم آلية الاستقرار الأوروبي لليونان قرضاً بقيمة 27 مليار يورو (30 مليار دولار أميركي)، بآجال استحقاق طويلة، لسحب السندات اليونانية التي اشتراها البنك المركزي الأوروبي بحماقة في عام 2010. وثانيا، استخدام الأرباح على هذه السندات لسداد دين صندوق النقد الدولي. وثالثا، يتم ضم اليونان إلى برنامج البنك المركزي الأوروبي للتيسير الكمي، والذي من شأنه أن يسمح لها بالعودة إلى الأسواق.
سوف توافق اليونان على أي شروط عادلة للحصول على قرض آلية الاستقرار الأوروبي. وهي لا تطلب سنتاً واحداً من التمويل الرسمي الإضافي للدولة اليونانية. فهي تَعِد بالإنفاق في حدود إمكانياتها إلى الأبد، والاعتماد على المدخرات الداخلية والاستثمار الخارجي لتحقيق النمو ــ وهذا أقل كثيراً مما قد تفعله أي دولة كبيرة تسيطر على عملتها الخاصة عندما تواجه كارثة مماثلة.
إن بلانشار يصر على أن الآن هو الوقت المناسب لاتخاذ "الاختيارات الصعبة والتعهد بالالتزامات الشاقة من الطرفين". وهذا صحيح بالفعل. ولكن اليونانيين اتخذوا بالفعل اختيارات صعبة. والآن جاء دور صندوق النقد الدولي، بدءاً باتخاذ القرار بالاعتراف بأن السياسات التي فرضها على اليونان طيلة خمس سنوات خلقت كارثة. وبالنسبة للدائنين الآخرين يتلخص الاختيار الأشد صعوبة في الاعتراف ــ كما يعلم صندوق النقد الدولي ــ بضرورة إعادة هيكلة ديونهم المستحقة لدى اليونان. فالقروض الجديدة في مقابل سياسات فاشلة ــ اقتراح الدائنين المشترك الحالي ــ لا تمثل بالنسبة لهم أي تعديل على الإطلاق.

*أستاذ في كلية ليندون جونسون للشؤون العامة بجامعة تكساس.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق