زليخة أبوريشة

السلفية في الأردن: دولة داخل دولة

تم نشره في الاثنين 22 حزيران / يونيو 2015. 11:04 مـساءً

إذا صحّ الخبر الذي نشرته إحدى الصحف الإلكترونية الأردنية مؤخراً عن صدور بيان سلفيّ وتوزيعه في قرية أبو نصير شماليّ عمان، فنحن أمام واقعة خطيرة تتنبّأ، لا محالة، بقادم أخطر. والبيان يقول:
"... انتشرت قبل سنوات قليلة في قرية أبو نصير آفة المخدرات، وانتشرت معها المعاصي وارتُكبت المحرمات... وكان غياب الدولة وأجهزتها الأمنية واضحاً وصريحاً، وكأن الدولة وأجهزتها تشجع مثل هذه الأمور، فالسكوت عن الشيء يعني قبوله مما ساعد على انتشار المحرمات، وأصبحت حدود الله تُنتهك نهاراً جهاراً ... وغُيّب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر... وبناء عليه... منّ الله علينا وأكرمنا بتوحيد الصفّ... وتمّ تشكيل جماعة تعمل على القضاء على هذه المحرّمات، وإقامة حدود الله على أصحابها، وتمّ بحمد الله اختيار أميراً (كذا!) للجماعة. وقد أطلق الأمير، وهو من أهل الصلاح... على هذه الجماعة اسم (جماعة الفاروق)..." انتهى.
في البيان أعلاه، إن صحّ نشره وتوزيعه وتداوله وصحّ ما جاء فيه، ثلاثة أمور على درجة عالية من الخطورة تمسّ مجتمعةً أمن المجتمع وأمن الدولة ومفهومها، أولها: أنّ قرية في أطراف عمان تعاني من مشكلة المخدرات بين شبابها، الذي هو غالباً عاطلٌ عن العمل. وثانيها: أنّ الحكومة لم تحرّك ساكناً لمعالجة الوضع قبل أن يصبح -بحسب البيان- ظاهرة تدعو إلى القلق. وثالثها: أنّ السلفية الجهادية موجودةٌ في هذه القرية، مثلما يمكننا القول إنها موجودة في كل حيّ وقرية تعاني من شحّ الأحوال وضيقها، وأنّ هذه السّلفية لا تنظر إلى أي مشكلة اجتماعيّة من خلال ظروفها الاقتصادية وخللها التربويّ والسياسيّ وبعدها القانونيّ، بل من خلال التفكير بالحلال والحرام والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أي من خلال مرجعيتها الدينيّة لا انتمائها الوطني. كما أنّ هذه السلفية لا تقترح لحل هذه المشكلات اللجوء إلى القانون والعمل المؤسسي الذي يقترح تأهيلَ الخارجين على القانون، بل "إقامة حدود الله"، ومِمّن؟ من جماعة جديدة تطبّق بيدها قوانينها الخاصة وهي "جماعة الفاروق". وهذا معناه -بصريح العبارة- دولة داخل الدولة! أي أننا في واقع الأمر أمام ظاهرة "مافيا إسلامية"! وهي تشبه إلى حدّ بعيد ظاهرة الفتوّات في المجتمع المصري وغيره، عندما يتراخى القانون، وتقلّ هيبة الدولة.
قد يكون البيان وخبر نشره قصَّةً مختلَقة، ولكن مظاهر السّلفية والتفكير السّلفي في المجتمع الأردني ليست مختلَقة على الإطلاق؛ فأولئك الرجال أصحاب اللحى المطلوقة والدشاديش القصيرة والشماغات بلا عُقُلٍ ليسوا من بنات أفكارنا، عندما يتجرّأون على قرع أبوابنا، ودعوة أهل البيت إلى دروس الدين في المسجد القريب (وهو ما حدث ويحدث في جواري طوال الوقت!). وماذا في هذه الدروس سوى ابن تيمية، وتكفير المختلف، والحضّ على الجهاد، والدعوة إلى تكسير رأس المرأة، وتنمية الكراهية لمعانٍ كثيرة؟
لا تقولوا لي إن الدولة لا تعلم بما يجري، وإنّ النوم في المساجد لأيام، من أجل التهجّد والتذاكر في فكرة الجهاد، وإنّ الاحتكاك السّافر بسكان الحيّ ودعوتهم إلى دروس السلفيّة وأفكارها، وإنّ المعسكرات الإسلامية الصيفية والدائمة، وإنّ المدارس ذات الأسماء الإسلامية الفاقعة والمناهج المريبة، وإن مراكز تحفيظ القرآن التي تبث الفكر السلفي، كلّ ذلك يجري بالسرّ وليس تحت سمع الدولة وبصرها! لا أقصد أنّ الحكومة تشجّع السلفيّة والخروج على القانون وهي واعية مدركة متواطئة! ولكنها حقاً ستكون كذلك ما دامت لا تحلّ المسائل من جذورها العميقة، وتكتفي بإجراء سطحي تافه لا ينفع وقد يضرّ، مثل منع كتب ابن تيمية، وكأنها تريد القول لنا وللعالم: "أرأيتم؟ إني أحارب الإرهاب أيضاً"!
إن لم يكن من استراتيجيات مدروسة على أسس علميّة لنكث ما في بطن هذا المجتمع من ثقافة تعادي القانون والمفاهيم الحديثة للدولة، ومحاصرتها ومعالجتها بثقافة أخرى إنسانيّة وحضاريّة، فإننا كمن يضحك على نفسه، تاركين لنا ولأوطاننا المصير الداعشيّ الأسود!
أيها الأمل! أحاول أن أجدك!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »امر بالغ الخطورة (huda)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    ان صح هذا فهو امر بالغ الخطورة ينم عن ضعف الدولة وترددها في بسط سيادة وسلطة القانون اما ان تقوم جماعة تدعي لانها ستقوم بتنفيذ قانونها الخاص بها فهذا امر جد خطير وسيكون له انعكاسات بالغة الخطورة على الامن والاستقرار وايضا الاستثمار وتحويل الاموال الى البلد لاننا قد نجد انفسنا امام دولة فاشلة لا سمح الله لذا يجب على الدولة الضرب بيد من حديد على هؤلاء اللذين يريدون تنفيذ قانونهم الخاص بهم بعيدا عن سلطة الدولة وقوانينها
  • »تطبيق القانون خارج إطار الدولة (صالح)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    تحليل سليم. اسمحي لي أن أضيف نقطة رابعة إلى أمورك الخطيرة الثلاثة أمرا رابعا أشد خطرا هو وجود جماعة تريد تطبيق القانون بالقوة على طريقتها خارج إطار القانون وأنه من الواضح من صيغة البيان أنها قد تلجأ في فترة ما إلى استخدام السلاح الأبيض لزج رقاب من تعتبرهم ينتهكون حدود الله والشرع. وربما يستخدمون في فترة لاحقة السلاح الناري للتمرد على الدولة وعلى القانون. وهكذا تفلت الأمور وتتحول الدولة في الأردن إلى دولة فاشلة كغيرها من الأقطار العربية. المشكلة الكبرى في الأردن هي أن القانون يطبق على "ناس وناس" وليس على كل الناس وأن البلد الذي أرادوه أن يتحول إلى بلد سياحي قد تحول في بعض أجزائه إلى ماخور وكل ذلك من أجل إلهاء الشباب والشابات عن القضايا الحقيقية التي ينبغي معالجتها في بلادنا.
  • »أتفق معك (خلدون)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    معك على طول الخط .
    بالمناسبة لا يوجد امل مع هكذا جماعات قتلت الدين.
  • »اسماء اسلامية فاقعة (ناصر الدين عدنان)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    نعم نحن ضد البيان (ان صح) الذي اشرت اليه ولكن. الم يكن اجدر بك ايضا طرح مشكلات اكيدة في المجتمع؟ ظاهرة الفتوّات موجودة في عمان منذ اعوام (ربما ليسوا بجيرانك). "مافيات" المخدرات والسرقة ايضا موجودة بعمان والصحف مليئة باخبارها.
    هنالك افتراضات في كتابتك عن مضمون الدروس الدينية وانا لا اظن انك حضرتيها و من الواضح ان "الاسماء الاسلامية الفاقعة" لا تروق لك !!! .....
    بالرغم من اني ضد التفكير السلفي الا ان مقالتك تحمل الكثير من الغبن لكل ما هو اسلامي, ومن باب الديمقراطية و تقبل الاخر اين تقبلك لهذه الشريحة من المجتمع . مجتمعنا مليء "بالمحافظين" الذين يجبرون للاتجاه للفكر السلفي بسبب مفالات وتوجهات مماثلة لما تكتبينه، حيث الهجوم واضح على كل ما هو اسلامي بذريعة فئة متشددة.
  • »الدشاديش (صلاح الدين)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    الدشاديش القصيرة افضل من التنانير القصيرة
  • »حقد وتعميم الكاتبة (حسين عمر)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    دائماً الاحظ حقد الكاتبة وكرهها للجماعات الاسلاميه وتعميمها المطلق بدون ادنا علم بمنطق الاسلام وشموليته، وكأن الكاتبه تريد بذلك التعميم على الاسلام نفسه من تصرقات جماعات فرديه. انا لا انكر ان في صفوف السلفية من هو يغلو بالدين، لكن هذا لا يعني ان جميع من اطلق لحيته وقصر ثوبه محسوب على السلفيه، وليس كل من اخذ برأي شيخ الاسلام ابن تيمية يعتبر تكفيري. ما ارى التشدد الا بافكار الكاتبة تجاه فئة معينه، حبذا لو كان مقالك بدون تصيد وايراد اخبار لا علم لها انها صحيحة، فتكيل الاتهامات على اساسها. مشكلة كتابنا العاطفيه غير البناءة، فلا ادري من هو أسوأ...الاقلية السلفية التي تريد فرض رأيها ام تعصب الكاتبة بآراءها المبنية مسبقا وبدون تمحيص عن السلفية.
  • »تقوى (ابو عبدالله)

    الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015.
    اتقي الله في ما بقي لك من العمر.....ولا تغتري ولا تنظري