"هناك".. تجارة الفقراء

تم نشره في الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • جانب من مكب الإكيدر في شمال المملكة - (أرشيفية)

د. رجائي الجاعوني

ما أكثر ما كُتب عن الفقر والفقراء على مر الأزمنة والأحقاب؛ من حكايات مؤلمة، إلى روايات طويلة قاسية بنفس القدر، مثل "البؤساء" وبطلها جان فالجان، إلى مسرحيات تعيد إحياء الضمائر وإنعاش اليد المعطاءة. وما أكثر المحاضرات والمناظرات لوصف حالات البؤس والدعوة إلى التخلص من الفقر، بإنشاء مشاريع يعتاش منها الفقراء بدلاً من مَد اليد وإهدار الكرامة. فكلنا يعلم جيدا المثل الصيني: "علمه صيد السمك، بدلا من إعطائه سمكة". وقد نشأت جمعيات خيرية تساعد الفقير وتعينه على العمل، وإن حاد بعضها عن هدفه وانحرف لمصلحة ذوي الضمائر الغافية، الذين لا يرون إلا من وراء نظارة سوداء تحجب الخير وتمنع التعاطف. وهؤلاء ليسوا الأكثرية ولله الحمد.
والفقراء منتشرون على خريطة العالم من دون استثناء، بما في ذلك الدول الغنية، وإن غلبت الكثرة في دولة على أخرى لارتفاع عدد سكانها، أو للفساد المسيطر على مقدراتها. باختصار، فإن الفقر لعنة كل الأزمنة، وهو سبب تخلف شعوب ودول إلى حضارات زالت بعد ديون، أمام غلبة الأقوى.
ألم أقل لكم إنه الموضوع الأكثر جماهيرية، الذي يُطرح في خطابات مؤثرة في برامج المرشحين لمقاعد برلمانية أو مناصب رئاسية! والمضحك المُبكي أنه كلما وعدوا بالتخفيف عن الفقير والتغلب على تلك الظاهرة المخجلة بحق كل العالم، تفاقمت المشكلة وازداد العدد والنوع!
وقد يدافع بعضنا تبريراً وتعليلاً بأنها ظاهرة قديمة جديدة على مر العصور، أي يجب أن نعتبرها أمرا قدريا، كما وجود الأغنياء. لكن إن عُدنا لزمن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز الذي حكم بالعدل، فإنه لم يكن يجد فقيراً يعطيه من مال الزكاة! فكيف نفسر تلك الحقبة المشرفة؟!
لقد أطلت بالمقدمة عن غير قصد، كوني مقبلا على قصة بالغة الأهمية، لا بد من توصيفها، إذ أبى الفقر إلا أن يبث همومه. وقصتنا اليوم هي مأساة بكل المعاني، بعد أن قام فريق مكون من أربعة طلاب يدرسون في جامعة اليرموك، بالقيادة إلى مكب الإكيدر في شمال المملكة، للاطلاع على بيئة ملوثة يشكو منها السكان القريبون منها.
هناك كانت المفاجأة؛ فقد عثروا على الفقر ذاته، بل الإملاق الذي يتمثل في عائلات تسكن الى جانب المكب، تعيش على ما تجده من طعام بين النفايات، كما تبيع بعض الخردة أو الأشياء التي قد يعاد تدويرها في مصانع ليأكل أبناؤها بالمال القليل المتوفر من ذلك.
وبحذر شديد، استطاع أحد الطلاب تصوير فيلم قصير بعنوان "هناك". نعم، هناك حيث البؤس والمرض والصبر؛ هناك صُدموا عندما شاهدوا طفلاً في التاسعة من عمره يلتقط من كومة قمامة سندويشاً تعافه النفس لقذارته، لكنه نفض عنه ما علق به من أوساخ ثم أكله! إنه الجوع الأقوى من الشعور بالقرف والترفع. وطفل آخر وجد لعبة بشكل سيارة حالها كحاله، مهشمة. لكنها احتفظت بكونها سيارة. فنظر إليها، وتردد ثم عاد وفحصها بعين دامعة، ثم دسها في جيبه المثقوب لعله يصلحها قليلاً، فيستمتع بلعبة كباقي الأطفال!
أولئك ينتظرون "قلاب" البلدية حتى يلقي بحمولته على أرضية مفروشة بآلاف الأطنان من النفايات، فينهالون بحثاً وتنقيباً عما ينفع للأكل أو للبيع.
أربع دقائق هي مدة الفيلم، كانت كافية لتوضيح حالة مؤسفة في بلدنا. وقد ذكرتني تلك المشاهد الصادمة بفيلم وثائقي شاهدته قبل فترة قصيرة عن غواتيمالا، البلد القريب من المكسيك، على البحر الكاريبي. لكنه لم يكن فيلما سياحياً، بل حول عائلات فقيرة جدا تسكن على حافة مكب عام للنفايات، فيتسابق أفرادها نحو النفايات التي تأتي على سيارات وترميها في المكان، ويتنافسون أيهم يحصل على لقمة عيش أو شيء مفيد يستطيع بيعه والعيش منه. يركضون، وإلى جانبهم تتسابق الكلاب الضالة والقطط للحصول على طعام لفظه أناس استمتعوا بلقمة نظيفة شهية، حتى شبعوا، فألقوا بما زاد إلى القمامة لتلتقطها أفواه تشققت من الجوع ومرارة العيش.
أصبح من المعتاد في بلدنا أن تصادف رجلاً أو أطفالاً ينبشون في حاويات رائحتها تزكم الأنوف عن بعد، فما بالك وهؤلاء ينقضون عليها! طفل يعبث بمحتوياتها ثم يخرج رغيفاً قد غطاه العفن، ينظر إليه ثم يدسه في كيس قد جلبه معه، وآخر يجمع علب المشروبات الغازية، كما يأخذون الأواني البلاستيكية في نفس الكيس. وثمة فرحة على وجه الطفل الأشعث الأغبر يقفز من داخل الحاوية وبيده تفاحة مقضومة كالتي رُسمت على جهاز إلكتروني. 
كثيرا ما كنت أشاهد بعد منتصف الليل امرأة ومعها شاب عليه أسمال ثياب، يجمعان الخبز وما تجود به حاوية "الأمانة" التي باتت معطاءة على فئة أضناها الفقر ومزق كرامتها. ولكن، أن تعثر على من يسكن إلى جوار النفايات لالتقاط غذاء أو تجارة، فذلك من ظُلم الإنسان لأخيه في بلد ما يزال الخير فيه ركناً مهماً، كما إعانة الملهوف ورعايته. فالأيادي البيضاء في كل مكان تبعث الأمل بإطعام الجياع، مع كسوة تقيه البرد وأمراضه. وليس خافياً على أحد تلك الجمعية التي اتخذت اسما، بل شعاراً "بنك الطعام"؛ تجمع الطعام الزائد في الفنادق والمطاعم وما زاد عن حفلات الأعراس، ثم تعيد ترتيبه وحتى توزيعه بطريقة حضارية. فشكراً لهؤلاء الطيبين الذي نذروا أنفسهم للخير.
أعود إلى بيئة الأكيدر: الهواء الفاسد يغطي المنطقة مسببا ضيقا في التنفس، وأمراضاً لا أول لها ولا آخر. لكن هؤلاء الفقراء (التجار) المساكين يستظلون تحتها، لعلهم يجدون بضع لقيمات تقيم أودهم في سكن لا يمنع لفح حر، أو برداً وزمهريراً.
شكراً للشباب الذين قاموا كرواد باكتشاف كدر يجب معالجته في وطن لا يحتمل الظلم!

التعليق