مروان المعشر

"يلا نفصل عن بعض"!

تم نشره في الثلاثاء 23 حزيران / يونيو 2015. 11:08 مـساءً

اللغط الذي رافق حملة الشباب الرائدة "يلا نفطر مع بعض"، مقلق إلى حد كبير. لأنه يشير إلى بعض القيم الاجتماعية البالية التي من المفترض أن نتخطاها في هذا البلد.
في البداية، كان تفسير منع حملة رائدة، هدفها تعظيم اللُّحمة الاجتماعية بين الناس في هذا الشهر الفضيل عن طريق الإفطار الجماعي، تفسيراً ملتوياً ومقلقاً، يحاول العودة بمجتمعنا إلى الوراء. فصار الاختلاط مدعاة للرذيلة (!) بدلاً من أن يكون مدعاة لُحمة بين الناس. وخرجت بعض الأقلام لتقول لنا إننا مجتمع إسلامي؛ كأن الإسلام يوماً حرم الاختلاط بين الناس. وهنا، يجب على المجتمع المدني أن يكون واضحاً وضوح الشمس.
فأولاً، إن معظم المذاهب الدينية لم تحرم الاختلاط على الإطلاق، بل كانت المرأة تشارك الرجل أيام الرسول محمد، صلّى الله عليه وسلم، حتى في المعارك. وثانياً، إن الموضوع لا يتعلق بالتفسيرات الدينية فقط، ولا بالتحجج بأننا في دولة دينها الإسلام، لأننا أيضاً في دولة تحكمها قوانين مدنية، وليس في ذلك تعارض مع دين الدولة، والاختلاط موجود بيننا في المجالات كافة؛ في جامعاتنا ومجلس وزرائنا ومجلس نوابنا ومجلس أعياننا ومؤسساتنا الرسمية والأهلية، والحمد لله.
كفانا اختباء وراء الدين لمنع المرأة من أبسط حقوقها، ولإبقاء الهيمنة الذكورية المريضة تحكم عقولنا وغرائزنا، وإلا فلا نختلف عن أحد رؤساء الدول الذي خرج علينا بفتوى أهمية تعدد الزوجات في منع الخيانة لدى الزوج. حان الوقت للوقوف بكل وضوح ضد هذه المفاهيم التي تنظر إلى المرأة كسلعة، فيما هي الشريك الذي لا بديل عنه لتطوير المجتمع. كما حان الوقت لعدم الخوف من تفسيرات دينية منغلقة، لا تمثل التاريخ الإسلامي وتعاليم الإسلام السمحة.
أما التفسير الآخر الذي أُعطي متأخراً -بعد أن جوبه التفسير الأول باستهجان من قطاعات في المجتمع، رأت فيه ذكورية متخلفة، بل ومريضة- فهو أن الإفطار الجماعي يعيق حركة السير، أو أن المكان ليس فيه مرافق صحية مناسبة. وهذا تفسير غير مقنع أيضاً.
فمن واجبات أمانة عمان، كما هو دور البلدية في أي مدينة، مراعاة الصالح العام، واتخاذ إجراءات لتشجيع الناس على الألفة والتواصل والتآخي، لا العكس. وعلى سبيل المثال، عندما كنت أقطن في واشنطن العاصمة، كانت البلدية تغلق شوارع، بل وأحياء بأكملها، لتشجيع فعاليات من قبيل سباق دراجات هوائية أو الركض من أجل جمع التبرعات لمشروع خيري أو خلافه. ويجري التنسيق مع منظمي الفعالية من دون مشكلة. لماذا؟ لأن الصالح العام أهم من بعض الإزعاجات التي قد تنتج عن إعاقة حركة السير.
لِم تكون ردة الفعل الأولى لدينا، عادة، هي المنع، بدلاً من توفير المناخ المناسب الذي يرضي الجميع، خاصة إذا كانت الفعالية تهدف لتحقيق الصالح العام، والألفة والوئام؟!
ليس لدي شك في أن معالي أمين العاصمة عقل بلتاجي، يدرك ما أقوله، ويوافق عليه. لكن الموضوع لا يتعلق بشخص، بقدر ما يتعلق بثقافة مجتمعية، وبالنظرة نحو المرأة، وتعريف الصالح العام. عمان مدينتنا جميعاً، والأردن وطن الجميع؛ رجالاً ونساء.
على المجتمع المدني مسؤولية كبيرة بأن يقول كلمته، ولا يسمح لعقلية ذكورية تختبئ وراء الدين بأن تحلل وتحرم وفق أهوائها وغرائزها، وعلى حساب نصف المجتمع. ومرحى لمن استخدم حقه في إيصال صوته لصانع القرار، باستخدام وسائل الاتصال الاجتماعية الحديثة، مثل "فيسبوك" و"تويتر" وغيرهما، ما دعا صانع القرار إلى التراجع. ففي هذا العصر، لم يعد هناك قرار غير خاضع للتمحيص والنقاش
 من المواطن العادي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وأنت مالك (عربي)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    أهل مكة أدرى بشعابها سيدي !
  • »نؤيد (هلا عمي)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    بالفعل جاء مقالك في وقته دكتور موران وانني اؤيد ما قلته قلبا وقالبا ويجب علينا الابتعاد عن مظاهر البدع التي ستكون لها عواقب وخيمه في المستقبل على الوطن والمواطن
  • »مقالة جميلة (Suhad khalil)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    وكما ذكرت الامر يتعلق بثقافة مجتمع،مجتمعاتنا ،بحاجة الى ثورة تغيير المقاهيم الاجتماعية السائدة حتى نستطيع التقدم للأمام . شكرًا لمقالك الجميل لعل وعسى يصل
  • »تشاؤمية (عبدالله عرفه)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    رائع شكراً لمقالك .. هذه هي وصفات بعض الناس و كارهين الحياة .. التخفي وراء ساتر الدين لتحكم بالناس و العباد، متى لهذي الناس أن تعرف أنا الدين لله و ليس للعباد
  • »كفئ رده وتخلف (د راشد العلي)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    لماذا نلبس الدين بعض من مومبقاتنا فلنبقي الاديان كافه تسمو فوق معضلاتنا النفسيه والعقليه والاجتماعيه فالقوانين الوضعيه عندنا تهدف بالاجمال الي تحقيق مصالح الافراد والمجتمع وبالتالي تلتقي مع اهم مبادئ الاديان الفرق ان ناخذ الدين بمفهوم العصر ام ان نبقي متحجرين
  • »العقبة بعيدة (مازن الشرع)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    لو سمحت لنا ظروفنا يوما أن نقيم في واشنطن دي سي لقلنا بمثل قولك ، لكن أبعد ما وصلت إليه هو دمشق في زيارة ليومين ، ورحلة العقبة تحتاج تخطيط عدة شهور ، اتمنى ان تساعدني في زيارة الواشنطن دي سي
    ثم هل تحمل علما في المذاهب الأربعة لتتحدث عن حكم الاختلاط
  • »كفانا ايديولجية ما يجب ان يكون في حواري باريس يجب ان يكون في شوارع عيرا ويرقا؟؟؟ (يوسف صافي)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    بداية لابد من الإقرار ان لكل شعب من الشعوب او امة من الأمم عادات وتقاليد وقيم واخلاق وعقيدة وثقافة من هنا نجد الولوج للمقارنة من باب الإقصاء وليس الجمع؟؟وهذا ما اقر به علماء النفس بعد علماء الدين ان عدم توائم المستحدث مع ماهو قائم هو الصدام بين المعايير والتي اشد فتكا من صدام السيارت المعاكسة للسير؟؟؟اما الإفطارات الجماعية للمحتاج وابن السبيل فقد كان الإسلام من نادى بها من باب تكافل المجتمع وليس من باب الإستعراض ودون ظوابط ؟؟ّ! تراعى فيه حرمة الشهر الفضيل والتي يتفرغ فيه العبد ل اداء العبادات لما لهذا الشهر من مزايا"تغلق فيه ابواب النار وتوصفد فيه الشياطين وتفتح أبواب الجنة؟؟ اما بشأن الذكورية والأنثوية فهذا ما أتى به خالق الكون والذي حدّد فيه مهام كل منهما من أجل بناء الكون وهو الأدرى بخلقه فسيولجيا وسيكيولجيا ؟؟ ولم يأتي بها البشر من باب هوى شخصي اوتبعية؟؟ وبعجالة حيث لا متسع للنقاش حول الإختلاط وما آلت له نتائج برتوكلات ال صهيون (البرتكول الرابع) الذي سعوا من خلاله لبتر العلاقة مابين المخلوق وخالقه (تحييد الديانة المسيحية والإسلامية) واستبدالها ب حسابات مادية وهوى دنيوي؟؟ من اجل السيطرة على الشعوب واستعبادها؟؟ومسكينة المراءة والتي من خلال دموع التماسيح والمسميات والمنظمات الحقوقية التي محصلتها (على استعداد لمناظرة لمن يشاء) ان اصبحوا قاب قوسين اوادنى من نزع اقوى حقوقها الفسيولجية التي فطر الله عليها المراءة لبناء المجتمعات من خلال الواجبات الملقاة عليها كشريك فعلي وليس ديكورا تنتهك فيها حقوقها التي هي اسمى من كل مايغردون؟؟"يريدون ان يطفؤ نور الله بافواههم والله متم لنوره ولو كره الكافرون"
  • »ثقافة الياسمين الأردني الراقية (بسمة الهندي)

    الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015.
    معك حق أستاذ المعشر، ويسلم قلمك الأردني الأصيل.
    سأكون صريحة، مبادرة شباب حملة "يلا نفطر مع بعض" تشبه الثقافة التي نشأت طبيعياً في بلاد الشام ومن ضمنها بلدنا الأردن، ويقف في مواجهتها ثقافة زحفت إلينا من الخارج ويفوح منها رائحة النفط؛ ثقافة معلبة غير طبيعية ولا تشبهنا.
    ما أجمل ثقافتنا التي تفوح منها رائحة الياسمين والزعتر البلدي ونسائم طقس البحر الأبيض المتوسط والتقاء الناس الدائم في الهواء الطلق. لا أفهم هؤلاء الذين يريدوننا أن نخجل من ثقافتنا الأردنية. نحن لدينا من الأسباب الحضارية والإنسانية ما يؤهلنا كي نصدر إلى الآخرين ثقافة الياسمين الأردني الراقية والمتحضرة. تاريخياً، للدوار الأول نصيب الأسد من الياسمين الأردني، منازلاً وسكاناً وثقافة.