إعادة النظر في استهداف التضخم

تم نشره في الأربعاء 24 حزيران / يونيو 2015. 11:00 مـساءً

اكسل ويبر*

زيوريخ - على مدى العقدين الماضيين، أصبح استهداف التضخم إطاراً مهيمناً على السياسة النقدية. فقد تبنت هذا النهج في الأساس (وإن لم يكن صراحة) البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبنك المركزي الأوروبي، والبنك الوطني السويسري. ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، والتي لم يتعاف منها العالم بشكل كامل حتى الآن، ألقت بظلال كثيفة من الشك على هذا النهج.
يزعم بنك التسويات الدولية منذ فترة طويلة أن استهداف التضخم المخض غير متوافق مع الاستقرار المالي. فهو لا يضع الدورة المالية في الاعتبار، فينتج بالتالي سياسة نقدية توسعية بإفراط. وعلاوة على ذلك، كانت الحجة الرئيسية لصالح استهداف التضخم ــ أنه ساهم في انحدار التضخم منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي ــ موضع شك في أفضل تقدير. الواقع أن جهود تقليل التضخم بدأت فعلياً في أوائل الثمانينيات ــ قبل اختراع استهداف التضخم بفترة طويلة ــ وذلك بفضل الجهود المتضافرة التي أدارها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي آنذاك بول فولكر. ومن التسعينيات فصاعدا، ربما كانت العولمة ــ وبشكل خاص اندماج الصين في الاقتصاد العالمي ــ السبب الرئيسي وراء انحسار الضغوط التضخمية العالمية.
كانت الإشارة الأحدث إلى أن استهداف التضخم لم يتسبب في تقليل التضخم منذ التسعينيات متمثلة في الجهود الفاشلة من قِبَل عدد متزايد من البنوك المركزية لإنعاش اقتصادات بلدانها. وإذا كانت البنوك المركزية غير قادرة على زيادة التضخم، فمن المنطقي أن نتصور أنها ربما لم تكن قادرة على خفض التضخم.
الحقيقة هي أن الهدف الأصلي للبنوك المركزية لم يكن استقرار أسعار المستهلك؛ ذلك أن مؤشرات أسعار المستهلك لم تكن حتى موجودة عندما تأسست أغلب البنوك المركزية. لقد تأسست البنوك المركزية لتوفير تمويل الحرب للحكومات. وفي وقت لاحق، امتدت مهمة البنوك المركزية لكي تشمل دور الملاذ الأخير للإقراض. ثم بعد التضخم المفرط في السبعينيات اكتشفت البنوك المركزية ــ أو أعادت اكتشاف ــ إلى أي مدى قد يكون الحفاظ على استقرار قيمة النقود أمراً مرغوبا.
ولكن كيف نقيس قيمة المال؟ يتمحور أحد أساليب القياس حول الأسعار، حيث يبرز مؤشر أسعار المستهلك باعتباره المؤشر الأكثر وضوحا. والمشكلة هي أن العلاقة بين المعروض من النقود (والذي يحدد في نهاية المطاف قيمة المال) والأسعار علاقة غير مستقرة.
فبادئ ذي بدء، الفارق الزمني بين التغيرات في المعروض من النقود وتحركات الأسعار طويل ومتغير ولا يمكن التنبؤ به. وعلى هذا فإن استهداف أسعار المستهلك على مدى عامين إلى ثلاثة أعوام لن يضمن بقاء قيمة النقود مستقرة في الأمد البعيد.
وعلاوة على ذلك، تفضي الأساليب المختلفة لجمع أسعار المستهلك إلى نتائج مختلفة، اعتماداً على كيفية التعامل مع تكاليف السكن وتطبيق التعديلات تبعاً لمستوى الرضا. باختصار، تم تشكيل السياسة النقدية بالاستعانة بمجموعة فرعية غير دقيقة وصغيرة ومنكمشة من الأسعار التي تعرض فوارق زمنية طويلة ومتغيرة في مواجهة التغيرات في المعروض من النقود.
من المؤسف أن جهود صناع السياسات النقدية لتفعيل هدف ضمان بقاء قيمة المال مستقرة تحولت إلى كياناً قائماً بذاته. فاليوم تفترض كتب المراجع الاقتصادية أن الهدف الأولي للبنوك المركزية يتلخص في تثبيت استقرار أسعار المستهلك، وليس قيمة النقود.
وعلاوة على ذلك، يفهم أهل الاقتصاد التضخم الآن باعتباره ارتفاعاً في أسعار المستهلك، وليس انحداراً لقيمة النقود نتيجة لزيادة مفرطة في المعروض من النقود. وما يزيد الطين بلة أن البنوك المركزية تتنكر على نحو متزايد لمسؤوليتها عن أي أسعار غير أسعار المستهلك، فتتجاهل حقيقة مفادها أن قيمة النقود تنعكس في كل الأسعار، بما في ذلك السلع الأساسية، والعقارات، والأسهم، والسندات، وربما الأكثر أهمية، أسعار الصرف.
باختصار، في حين يُعَد تثبيت استقرار الأسعار من خلال استهداف التضخم هدفاً محمودا، فإن التركيز الضيق من قِبَل البنوك المركزية على أسعار المستهلك ــ في غضون فترة زمنية قصيرة نسبيا ــ غير كاف لتحقيق غاية استقرار الأسعار. وقد تجلت هذه الحقيقة بوضوح بفِعل ارتفاع أسعار المساكن في العديد من البلدان في الفترة السابقة لاندلاع الأزمة المالية في العام 2008، والانخفاض الحاد في أسعار الأصول والسلع الأساسية بعد انهيار ليمان براذرز مباشرة، والعودة إلى تضخم أسعار الأصول منذ ذلك الحين، وتقلبات العملة الكبيرة الأخيرة. وكل هذا يتعارض مع القيمة المستقرة للنقود.
وربما يكون تركيز البنوك المركزية كلياً على أسعار المستهلك حتى هدّاما. فمن خلال تقويض التخصيص الفعّال لرأس المال وتعزيز الاستثمار الرديء، تعمل السياسة النقدية التي تركز على مؤشر أسعار المستهلك على تشويه الهياكل الاقتصادية، ومنع التدمير الخلّاق المعزز للنمو، وخلق مخاطر أخلاقية، ونثر بذور عدم استقرار قيمة النقود في المستقبل.
في اقتصاد معقد ومتطور بشكل مستمر، لن ينجح إطار استهداف التضخم التبسيطي في تثبيت استقرار قيمة النقود. فالقيام بهذه المهمة يتطلب نهجاً معقداً بنفس القدر وقابلاً للتكيف في التعامل مع السياسة النقدية ــ ذلك النهج الذي يؤكد على إدارة المخاطر والاعتماد على حكم صانعي السياسات، وليس صيغة محددة. وسوف يكون مثل هذا النهج أقل قابلية للتنبؤ وسوف يزيل التوجيهات المسبقة، فيثبط بالتالي الإفراط في خوض المجازفات ويحد من المخاطر الأخلاقية.
الواقع أن التاريخ يشير إلى الهيئة التي قد يبدو عليها الإطار الداعم للاستقرار. ففي الربع الأخير من القرن العشرين، كانت العديد من البنوك المركزية تستخدم أهدافاً متوسطة الأمد، بما في ذلك الكليات النقدية. ومن الممكن تطبيق مثل هذه الأهداف على الائتمان، وأسعار الفائدة، وأسعار الصرف، وأسعار الأصول والسلع الأساسية، وعلاوات المخاطر، و/أو أسعار السلع الوسيطة.
إن استقرار أسعار المستهلك في الأمد القريب لا يضمن الاستقرار الاقتصادي أو المالي أو النقدي. والآن حان الوقت لكي تتقبل البنوك المركزية هذه الحقيقة وتتبنى نهجاً شاملاً طويل الأجل في التعامل مع السياسة النقدية ــ حتى ولو كان ذلك يعني في الأمد القريب انحراف تضخم أسعار المستهلك عن ما يُنظَر إليه حالياً باعتباره "استقراراً للأسعار". والحق أن التقلبات المؤقتة في مؤشر أسعار المستهلك الضيق وغير الخاضع للقياس الدقيق ليست سوى ثمناً قليلاً ندفعه في مقابل تأمين الاستقرار النقدي في الأمد البعيد.

*رئيس مجلس إدارة UBS Group، ورئيس البنك المركزي الألماني الأسبق.
خاص بـ الغد بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق