الإرهاب في أكثر أماكن الأرض سعادة

تم نشره في الجمعة 26 حزيران / يونيو 2015. 12:00 صباحاً
  • جهاديون إسلاميون قادمون من الدول الاسكندنافية - (أرشيفية)

دانيال كوشيس — (ريل كلير وورلد) 18/6/2015

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

قد تكون المنطقة الاسكندنافية أسعد مكان على وجه المعمورة. ومن بين البلدان العشرة المصنفة على رأس تقرير السعادة العالمية، تشكل الدول الاسكندنافية النصف. وتحتل النرويج والسويد والدنمارك المراتب الثالثة والرابعة والخامسة على التوالي في مؤشر مجلة الإيكونوميست "أين يجب أن يولد المرء"، وحيث تحتل فنلندا مكاناً غير بعيد خلفها.
لكن هناك تحت صورة البركة هذه مشكلة خبيثة وصعبة: ثمة عدد منذر من المواطنين الاسكندنافيين منخرطون في ما يدعى "الدولة الإسلامية"، أو "داعش". وقد سافر العديد منهم إلى الشرق الأوسط للقتال في صفوف المجموعة الإرهابية، بينما يرتكب آخرون عنفهم في الوطن.
في شباط (فبراير) الماضي قتل إرهابي دانماركي من أصول شرق أوسطية شخصين وجرح خمسة في هجومين توأمين ضد دارة مقهى وكنيس يهودي في كوبنهاغن. ومع أنه لم يسبق له أن وطئ أرض العراق أو سورية، فإن المهاجم الذي قتل أثناء الهجومين كان قد أعلن ولاءه لمجموعة "داعش" في رسالة على الموقع الألكتروني.
لقد منحتنا الدنمارك ليغوس، والحورية الصغيرة، والفيزيائي نيلز بوهر، والممثلة سكارليت جوهانسون. (كون الوالد دينماركياً يهم). لكنها من بين الدول الأوروبية الغربية تتوافر على أعلى معدل من المواطنين الذين يقاتلون في "داعش" وفق معدلات الفرد. وتقدر الأجهزة الأمنية الدنماركية أن هناك 115 دنماركياً قد ذهبوا إلى هناك للمشاركة في الجهاد، وتحذر من أن العدد ربما يكون أعلى.
كما أن الدول الاسكندنافية الأخرى ليست متمتعة بالحصانة؛ إذ يعتقد بأن ثمة 300 سويدي و70 نرويجياً و30 فنلندياً قد سافروا إلى العراق وسورية للمشاركة في الجهاد. وهذه أرقاماً كبيرة بالنسبة لبلدان يكون عدد مواطنيها صغيراً. فكيف تستطيع بعض الأماكن التي يُفترض أن تكون الأسعد على وجه البسيطة الإسهام بهذا الكم غير المتكافئ من الناس الراغبين في الانضمام إلى واحدة من أبشع المجموعات الشريرة على وجه الأرض؟
فشل في الاندماج
خضعت البلدان الاسكندنافية لتغييرات ديمغرافية كبيرة، وكافحت من أجل دمج المهاجرين الجدد. وقد استوعبت السويد على وجه الخصوص أعداداً ضخمة من اللاجئين من الشرق الأوسط -بما في ذلك نحو 65.000 لاجئ من سورية منذ العام 2011، لتكون بذلك الثانية في أوروبا بعد ألمانيا. والعديد من هؤلاء المهاجرين من القُصر غير المصحوبين براشدين؛ وتشكل السويد البلد الأوروبي الأكثر شعبية في استيعاب القُصر، حيث استقبلت أكثر من 7000 طفل غير مصحوب براشدين في العام 2014.
كما استقبلت السويد أيضاً عدداً ضخماً من اللاجئين الصوماليين والعراقيين خلال العقدين الماضيين. وبين ظهراني اللاجئين القادمين من العراق، كان ثمة أعضاء من تنظيم القاعدة في العراق، الذي مهد لظهور "داعش" –وهم أفراد ينشرون سمومهم في داخل السويد.
تتفشى البطالة في صفوف العديد من المجتمعات المهاجرة. ووفقاً لبعض التقديرات، فإن أكثر من نصف السكان الذين ولدوا خارج السويد والذين لا يتحدرون من ثقافة دولة مشابهة، هم عاطلون عن العمل. ومع أن التوظيف لا يشكل بكل بساطة الوصفة السحرية للتصدي للتطرف (على عكس ما تعتقده إدارة أوباما) لكنه لن يضر بالتأكيد.
في هذا المقام، من المؤكد أن الافتقار إلى الإنفاق العام لا يتحمل اللوم. ففنلندا تنفق نسبة مئوية أعلى من إجمالي الناتج القومي على النفقات الاجتماعية العامة مقارنة مع أي بلد آخر، باستثناء فرنسا. كما أن الدنمارك (الرابعة) والسويد (السابعة) والنرويج (السابعة عشرة) تعد أيضاً من الدول التي تنفق بسخاء على الخدمات المجتمعية. ويتجاوز سخاؤها في هذا المجال نظيره في الولايات المتحدة الأميركية (الرابعة والعشرون). وتنفق النرويج على سبيل المثال نحو 125.000 دولار على كل لاجئ بفضل مزايا حكومية سخية، تكون متوفرة لذلك الشخص.
القصة إلى حد كبير هي قصة فشل في الإدماج. فبعض المدن السويدية، مثل سودرتاجي، تضم راهناً أكثر من 50 في المائة من المولودين في الخارج. وقد ظهر فشل سياسات الإدماج السويدية بشكل كامل في العام 2013 عندما ملأت أعمال الشغب في مقاطعة هزبي من أعمال ستوكهولم، العاصمة المكتظة بالمهاجرين، شاشات التلفزة في عموم الكرة الأرضية.
غالباً ما يحدث التطرف على مستوى محلي وشخصي جداً. وتتوافر بلدات -أو حتى ضواحٍ معينة- - على عدد غير متكافئ من المقاتلين الأجانب الذين يغادرون إلى الشرق الأوسط، عادة بسبب شخص واحد يوقرهشباب آخرون ويتبعونه إلى ما وراء البحار. وتعاني كل من مناطق آرهوس في الدنمارك وأنغريد في السويد وأوسلوفيورد في النرويج بشكل خاص من مشاكل حادة مع التطرف.
تتمتع الدول الاسكندنافية بأعلى معدلات الوصول إلى الإنترنت في العالم، بمعدل يصل إلى أكثر من 90 في المائة لكل منها. ويساعد هذا الوصول المتطرفين الذين يقومون بالتجنيد بقوة. وفي الحقيقة، يشكل التواصل الاجتماعي عاملاً رئيسياً في تغذية التطرف في المنطقة الاسكندنافية. وقد وجدت دراسة أجرتها الأجهزة الأمنية السويدية أن 80 في المائة على الأقل من السويديين المتطرفين الذين تمت دراستهم كانوا مترابطين مجتمعياً.
يثير سوط التطرف الإسلامي في البلدان الاسكندنافية نقاشاً في تلك الدول عن التعددية الثقافية –وهو نقاش أفرز مجموعة من الاقتراحات السياسية لوقف تدفق المقاتلين المغادرين إلى الشرق الأوسط. وبعض هذه الإجراءات يكون عقابياً. وقد أقرت الدنمارك قانوناً هذا العام، والذي يقضي بعدم السماح بالسفر للمواطنين الدنماركيين الذين يخططون للسفر إلى العراق وسورية للقتال في صفوف "داعش"، ومن الممكن مصادرة جوازات سفرهم. كما شددت الدنمارك من قوانين اللجوء السياسي، وأقرت تقديم تصريح إقامة مؤقت للساعين للحصول على اللجوء من بلدان متورطة في حرب أهلية.
مع ذلك، يعني الترابط البَيني في المنطقة أن وضع إجراءات جديدة لوقف الساعين للجوء قد لا يكون فعالاً بشكل كامل. وعلى سبيل المثال، تسمح اتفاقيات المواطنة بين الدول الاسكندنافية للاجئين الذين يحصلون على المواطنة السويدية بالانتقال إلى الدنمارك من دون الحصول على تصريح إقامة دنماركي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كل الأمم الاسكندنافية هي جزء من منطقة "الشنغن"، مما جعل من الأسهل على الإرهابيين المحتملين الدخول إلى أوروبا والخروج منها عبر بلدان مثل بلغاريا التي لديها حدود أكثر مسامية.
يشكل عدم القدرة على وقف المقاتلين المحتملين من مغادرة البلد مشكلة في فنلندا بشكل خاص، حيث لا يعتبر السفر إلى العراق وسورية للقتال في صفوف "داعش" جريمة في حد ذاته، بالرغم من تجريم الأعمال الإرهابية نفسها.
كما شنت النرويج بدورها حملة على الساعين للحصول على اللجوء من الدول التي مزقتها الحروب، وأبعدت أكثر من 7.000 شخص في العام 2014. وفي العام 2013 مررت النرويج قانوناً يجرم الأفعال الممهدة للإرهاب، مثل التدريب على الإرهاب أو المساعدة في التجنيد لصالح تنظيم إرهابي، مغلقة بذلك فجوة قانونية.
ومن جهتها، اقترحت السويد تشريعاً يضع قيوداً على جواز السفر للسويديين الذين يتطلعون للقتال في صفوف "داعش"، مع أنه لم يأخذ صفة القانون بعد. وليست الهجرة في حد ذاتها مشكلة، فثمة كمية كبيرة من الإرهابيين الذين نشأوا في الوطن، والذين هم سويديون أو نرويجيون أو دنماركيون إثنيون. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم القادمين الجدد إلى البلدان الاسكندنافية هم مواطنون مسالمون ومنتجون.
طريق جديدة؟
مما يثير الاهتمام أن الدنمارك تمضي قدماً في برنامج لإعادة تأهيل الإسلاميين. ويتضمن ما يدعى نموذج ارهوس (نسبة للمدينة الدنماركية) في جزء منه مراقبة أشخاص تحت الخطر، وتخصيص خط ساخن للآباء المعنيين، ومركز قومي لمساعدة الدنماركيين الذين يتطلعون إلى مغادرة "بيئة متطرفة". ويسعى البرنامج إلى تأسيس حوار مع المجتمعات التي ينظر إليها على أنها واقعة تحت خطر أعلى لأن تصبح راديكالية. ويوظف البرنامج عاملين وأعضاء نافذين في المجتمع للتعريف والتدخل مع الأشخاص الذين يعتقد بأنهم يظهرون علامات تحذير تتعلق بالراديكالية. ومن المبكر جدا القول بما إذا كان هذا النموذج سيكلل بالنجاح. لكن علينا أن نتمنى للدنماركيين وباقي المنطقة النجاح في نضالهم ضد التطرف الإسلاموي.
تقف أعداد الاسكندنافيين المغادرين لتذكر بأنه بينما قد تجعل الشروط المجتمعية المسبقة الشخص في بعض الأحيان أكثر احتمالاً لأن يصبح متطرفاً، فإن الكفاح يبقى أيديولوجياً بشكل متأصل، والذي يجب الفوز فيه على أرضيات أيديولوجية. ولعل حقيقة أن التطرف الإسلاموي ينمو بثبات في بلدان تتمتع بأعلى نوعيات الحياة، وتتوافر على الانفاق المجتمعي الأكثر سخاء في العالم، تقف دليلاً يؤكد هذه الحقيقة.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Terror in the Happiest Place on Earth

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق